ما بعد النزوح: نساء سوريات بين الإيواء وانعدام الأمان

“أكثر ما أحتاجه وأنا في الشهر الرابع من حملي هو أن أتمكن من التمدد وأخذ قسط من الراحة، لكننا عائلتان في غرفة واحدة ضمن هذه المدرسة”، تقول سامية (اسم مستعار)، وهي سيدة عشرينية من مهجّرات مدينة سري كانيه/رأس العين. كانت سامية مقيمة في مخيم سري كانيه بريف حسكة، قبل أن تنزح مع عائلتها إلى مراكز الإيواء في مدينة قامشلي، على خلفية التوترات الأخيرة التي شهدتها المدينة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية.

عاشت سامية تجربة تهجير قسري ونزوح متكرر، وهي تحمل طفلها البالغ من العمر عامين، وتتنقل في أروقة المدرسة بحثاً عمّن يسجّل اسم عائلتها في القوائم الرسمية، أملاً بالحصول على بعض المساعدات الأساسية. تقول إن النساء يواجهن صعوبات مضاعفة في مراكز الإيواء، نتيجة غياب الخصوصية، وانعدام القدرة على الحصول على فترات راحة، ولو قصيرة، خلال اليوم.

وتضيف: “بقي زوجي في الحسكة، وأنا هنا مع أطفالي، نقيم في غرفة واحدة مع عائلة شقيق زوجي. وبما أنني في الشهور الأولى من الحمل، أشعر بالإرهاق طوال الوقت، لكن لا أستطيع حتى أن أتمدد قليلاً، وأضطر للانتظار حتى يحين وقت النوم لأحصل على بعض الراحة”.

في سياق الحرب التي عاشتها سوريا لسنوات طويلة، والتي لم تنتهِ حتى بعد سقوط النظام السوري السابق، بات النزوح واقعاً مفروضاً للنجاة وسط الصراعات المستمرة. وتشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أنه منذ كانون الأول/ديسمبر 2025، نزح أكثر من 890 ألف شخص إضافي داخل سوريا بسبب العنف المتقطع، لينضموا إلى ما يقارب سبعة ملايين نازح داخل البلاد.

وتوضح تقديرات الصندوق أنه بعد 14 عاماً من الصراع، والصدمات المناخية، والتدهور الاقتصادي، لا يزال تعافي سوريا هشاً وغير متكافئ، فيما تبقى الاحتياجات الإنسانية هائلة. ويعاني النظام الصحي من أضرار جسيمة، إذ لا يعمل سوى أكثر بقليل من نصف المستشفيات وثلث مراكز الرعاية الصحية الأولية، ما ترك نحو 400 ألف امرأة حامل يواجهن صعوبات كبيرة في الحصول على خدمات الأمومة.

قصص نساء فقدن أكثر من منازلهن

“سلبني النزوح أكثر من بيتي”، تقول عبير (اسم مستعار)، وهي سيدة عاشت في أحد المخيمات شمالي سوريا لما يقارب سبع سنوات. كانت تضطر لترك ابنتها، التي لم يتجاوز عمرها آنذاك 15 عاماً، لرعاية إخوتها الأصغر سناً، كي تتمكن من العمل في مزارع قريبة من المخيم. فالمساعدات التي كانت تصل بشكل متقطع لم تكن كافية لتلبية الاحتياجات اليومية للعائلة.

تصف عبير الضغوط النفسية القاسية التي فرضتها حياة المخيم، والتي كانت تدفعها أحياناً لتفريغ غضبها على أطفالها وزوجها. لم تكن أعواد الحطب كافية لتدفئة أجساد أفراد الأسرة، ولم يختفِ شوقها للعيش في منزل نظيف والنوم على وسائد نظيفة. وامتدت آثار هذه المعاناة إلى ابنتها، التي باتت اليوم في الثانية والعشرين من عمرها.

تقول ابنة عبير: “بعد خروجنا من المخيم وعودتنا إلى ريف حمص، واجهنا صدمة الوصم المجتمعي لسكان المخيمات، إذ يُنظر إلى الأمر كوصمة عار، ولا يوجد تقبّل حقيقي ممن هم خارجها. تُوصم الفتيات والنساء اللواتي عشن في المخيمات، إلى حدّ رفض الزواج منهن. هم لا يعلمون ما عشناه، ولا يدركون حجم حاجتنا إلى تأهيل نفسي وجسدي”.

من جهتها، توضح الباحثة الاجتماعية مروة تقلا أن احتياجات النساء بعد الخروج من المخيمات ومراكز الإيواء تفوق احتياجاتهن داخلها. ففي المخيمات تتركز الحاجة على المتطلبات الأساسية، وإيجاد مساحات خاصة، والمستلزمات الصحية للنساء، وغالباً ما تغطي المنظمات الإغاثية جزءاً من هذه الاحتياجات، كما تتوفر أحياناً جلسات دعم نفسي. لكن العبء الأكبر يبدأ بعد انتهاء النزوح، مع الدخول في مرحلة الترميم النفسي والجسدي.

وتشير مروة إلى أن الفتيات بعد الخروج من المخيمات يحتجن إلى تعويض الفاقد التعليمي، إضافة إلى علاج الأمراض النسائية الناتجة عن المياه الملوثة والظروف غير الصحية، فضلاً عن الحاجة إلى التوعية بالصحة الجنسية للفتيات اللواتي تزوجن داخل المخيمات، والعلاج النفسي، لمنع انتقال آثار الصدمة إلى أطفالهن.

المعاناة واحدة… الخيمة والجدار سواء

في مدرسة أخرى بمدينة قامشلي، استقبلت سيدة من عفرين معدّة التقرير، وطلبت من زوجها وابنها مغادرة الغرفة لتتمكن من الحديث بحرية عن معاناتها كامرأة في محطة التهجير الرابعة، والتي انتهت بها داخل صفّ مدرسي. بدت الغرفة مرتبة قدر الإمكان، لكن الصدمة كانت عندما أشارت إلى مساحة صغيرة قرب باب الغرفة، موضحة أنها خصصتها لاستحمام العائلة.

تقول السيدة إنها تضطر إلى إخراج جميع أفراد العائلة من الغرفة كي تتمكن من الاستحمام، كما تضطر إلى تقسيم الغرفة أثناء النوم للحصول على قدر من الخصوصية مع زوجها، ولحماية أطفالها من آثار النوم الجماعي في مساحة واحدة. وتضيف: “ابني الأكبر يبلغ 15 عاماً، وأتعامل بحذر شديد مع احتياجاتنا كنساء”.

وتلفت إلى أن المعاناة لا تقتصر على داخل الغرفة، إذ تشترك عشرات العائلات النازحة، من رجال ونساء وأطفال، في السكن داخل المدرسة نفسها. وتعدّ مسألة التخلص من مستلزمات الدورة الشهرية من أكثر القضايا حساسية، في ظل استخدام حمام واحد من قبل الجميع.

وتقول: “بعد أيام سأكون على موعد مع الدورة الشهرية، وحتى الآن لم أحصل على سلة نظافة نسائية ضمن المساعدات، وسأضطر، رغم أوضاعنا المادية الصعبة، إلى شراء المستلزمات على نفقتي”.

يوضح حسين سيدو، مدير مجلس مهجّري عفرين في مدينة قامشلي، أن نحو 10 آلاف عائلة مهجّرة وصلت من الطبقة والرقة إلى مدن منطقة الجزيرة، أي ما يزيد عن 50 ألف شخص، مشيراً إلى أن العدد في ازدياد مستمر. ويضيف أن قرابة ضعف هذا العدد يقيمون لدى أقاربهم من مهجّري عفرين داخل المدينة، حيث تستضيف العائلة الواحدة أكثر من ثلاث عائلات، في ظروف معيشية بالغة الصعوبة.

وبحسب إحصائيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، نزح أكثر من 170 ألف شخص منذ 6 كانون الثاني/يناير 2026 في محافظات حلب وحسكة والرقة. وأفاد المكتب بأن العديد من مواقع النزوح لا تزال مكتظة، فيما يبقى الوضع في محافظة الحسكة متقلباً، مع ورود تقارير عن نزوح عائلات من جنوب المدينة باتجاه بلدة الشدادي.