التهجير المتكرر يسرق الطفولة: أطفال عفرين بين الخوف وفقدان الانتماء

في منزل أحد الأقارب الذين هُجّروا من مدينة عفرين عام 2018 واستقروا لاحقاً في مدينة قامشلي، يعلو صوت مجموعة من الأطفال الذين اجتمعوا بعد وصول أقاربهم في رحلة تهجير جديدة، هذه المرة من حي الشيخ مقصود في مدينة حلب. ضحكات متقطعة وأصوات لعب تخفي خلفها خوفاً لم يغادر قلوب الصغار بعد، وكأن البيت الذي استقبلهم يشكّل محطة مؤقتة أخرى ضمن سجل طويل من النزوح.

العائلة، المؤلفة من أب وأم وعدد من الأطفال، قطعت طريقاً طويلاً وبكلفة مالية باهظة لإنقاذ حياتها بعد اشتباكات عنيفة شهدها حي الشيخ مقصود في بداية كانون الثاني/يناير 2026. ثلاث مرات تهجّرت خلالها العائلة منذ اندلاع الحرب في سوريا، وكانت مدينة قامشلي، ومنزل أحد الأقارب، محطتها الأخيرة حتى الآن، وإن كانت لا تزال مشوّبة بخوف دائم من خسارتها، في ظل تضاؤل الأمل بالعودة القريبة إلى عفرين.

اجتمعت العائلة حول مدفأةٍ صغيرة داخل المنزل، وبدأت التحضيرات لسرد ما عاشته خلال رحلة التهجير الأخيرة. شيئاً فشيئاً، انضمّ أفراد من العائلة المضيفة، إلى جانب الأطفال الذين التفوا حول الكبار، تقول الوالدة، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها لدواعٍ أمنية تتعلق بسلامة عائلتها:

“كان حيّنا يشهد اتفاقيات وخروقات بين الحين والآخر، لكن حدّتها كانت تنخفض سريعاً، ونبقى في منازلنا، هذه المرة كانت مختلفة تماماً، القصف اشتدّ بشكل غير مسبوق، ومع ذلك بقينا ننتظر هدنة تعيد الحياة لطبيعتها.”

تضيف أن غالبية الأهالي اختاروا البقاء في منازلهم أملاً بالتهدئة: “كنّا شبه واثقين أن الحل قادم، وأننا لن نُجبر على الخروج، وكل ما كان مطلوباً هو حماية أنفسنا من القذائف بالبقاء في قبو البناية.”

لكن الوضع تدهور تدريجياً، وبقاؤهم داخل الحي جعل خروجهم أكثر صعوبة وخطورة: “بتنا معرّضين للإصابة في أي لحظة، وحتى عندما أُعلن عن فتح ممرّ إنساني، تمكّن بعض الأهالي من الهروب، إلا أننا لم نستطع الوصول إليه لبعد منزلنا عنه.”

تتابع بصوت يختلط فيه الغضب بالحزن: “خرجنا لاحقاً بصعوبة بالغة، وسط بكاء أطفالي المستمر نتيجة الخوف.”

أطفال بلا انتماء وذاكرة مثقلة بالحرب

عاش أطفال العائلة تجربة خوف لا تُنسى خلال الاشتباكات، وسط بكاء متواصل حتى لحظة الخروج. تقول والدتهم: “أولادي اليوم لا يعرفون مكانهم الأصلي، ولا لأي مدينة ينتمون. كلما بدأوا بالتعوّد على مكانٍ جديد، نُهجّر منه مجدداً.”

تضيف بأسى أن أبناءها اضطروا لترك الدراسة: “ابنتي كانت قد قدّمت الفحص الثاني، ثم بدأت الأحداث في الحي.”

عاش أطفال هذه العائلة تجربة خوفٍ لا تُنسى خلال فترة الاشتباكات داخل الحي، وسط بكاءٍ متواصل حتى لحظة الخروج، تقول والدتهم إن تفاصيل الحرب ستبقى محفورة في ذاكرتهم مهما كبروا: “أولادي اليوم لا يعرفون أين مكانهم الأصلي، ولا لأي مدينة ينتمون، كلما بدأوا بالتعوّد على مكانٍ جديد، نُهجّر منه مجدداً.”

تضيف بأسى أن أبناءها اضطروا لترك الدراسة: “ابنتي كانت قد قدّمت الفحص الثاني، ثم بدأت الأحداث في الحي.”

لا يستطيع الأطفال اليوم الالتحاق بالمدرسة، ولا يعرفون أين سيستقرون بشكل نهائي، وسؤال “من أين أنتم؟” بات بلا إجابة واضحة. أثناء الحديث، تدخل السيدة في حالة عصبية، مشيرة إلى ابنها البالغ من العمر 13 عاماً، قائلة إنه رفض العودة إلى المدرسة بعد تجارب التهجير المتكررة: “أولادي فقدوا الشعور بالانتماء، كل ما حملوه معهم لعبتان من ألعابهم المفضلة. أنا أمهم ومسؤولة عن حمايتهم، لكن أشعر بعجز كبير، لا أملك وسيلة لأجمعهم في مكان آمن.”

تكمل حديثها: “في كل مرة نعيد بناء حياتنا من الصفر، يختفي كل شيء بلمح البصر. لقد فقدت كل طاقتي، حتى أن زوجي قال مؤخراً: ليتنا ذهبنا إلى عفرين، حتى لو كان الثمن أرواحنا.”

تستعيد المشهد الأخير لحي الشيخ مقصود: “كانت البيوت تتدمّر، والدم يسيل في الشوارع، وأصوات الجرحى تُسمع من كل مكان دون أن يغيثهم أحد. كل تلك المشاهد شاهدها أطفالي معي.”

تتابع بحزن عميق: “اليوم بتّ متأكدة أن ما كنت أحلم به لأطفالنا لن يتحقق. لن يكونوا الأطفال الذين حلمت بهم، سيكونون مثقلين بعقد نفسية، وعدوانية، واكتئاب.”

وتقارن بين ما قبل الحرب واليوم: “قبل الحرب كان أهلنا يرفضون ذبح الأضاحي أمامنا خوفاً على نفسيتنا، اليوم شاهد أطفالنا جثثاً في الشوارع، ودماءً تسيل، وقصفاً يدمر الأماكن التي احتضنتنا. أي إنسان سوي سيكون ابني حين يكبر؟”

بالعودة إلى عفرين، تقول السيدة إنها لا تملك أي أمل بالعودة، لا إلى عفرين، ولا إلى حي الشيخ مقصود، ولا إلى مدينة حلب: “خسرت الكثير، وأهم ما خسرته هو الشعور بالاستقرار. ما تبقّى لنا هو العيش يوماً بيوم للنجاة فقط.”

وتختم: “سأحاول، ما استطعت، أن أزرع في أطفالنا ذاكرة المكان الأول، سأبقى أذكّرهم أن عفرين هي المدينة… هي الوطن.”

اليوم، لا يحمل أطفال العائلة حقائب مدرسية أو خططاً واضحة للمستقبل، بل ذاكرة مثقلة بالخوف، وصوراً لا تناسب أعمارهم الصغيرة. في كل تهجير يخسرون جزءاً من طفولتهم، وفي كل محطة مؤقتة يتعلمون أن البيوت لا تدوم، وأن الأمان فكرة مؤجلة. يكبر هؤلاء الأطفال وهم يتقنون النجاة أكثر من اللعب، ويحفظون أسماء المدن التي هُجّروا منها، وبين سؤال يتكرر: “من أين أنتم؟” تبقى طفولتهم معلّقة بانتظار مكانٍ لا يجبرهم على الرحيل، ولا يطلب منهم أن يكبروا قبل أوانهم.