“هل كل ما نسمعه من الأخبار حقيقي؟ لا أظن ذلك. كنت شاهدًا على قتل مدنيين، واعتقال شبّان، وحرق محال وسيارات في حيّنا، بعد نشر خبرٍ مفبرك واحد فقط.”
بهذه الكلمات يروي جلال (اسم مستعار)، من حيّ الأرمن في مدينة حمص، كيف أسهم التضليل الإعلامي في إشعال موجة انتهاكات طالت مدنيين/ات في حيّه.
كان تداول خبر مقتل زوجين داخل منزلهما في بلدة زيدل بريف حمص، بطريقة تحريضية ومجتزأة عن سياقها، الشرارة التي فجّرت سلسلة من الأحداث العنيفة. ووفق تعريف الأمم المتحدة، فإن “التضليل الإعلامي” هو السعي إلى نشر معلومات مغلوطة عمدًا بهدف الخديعة وإلحاق ضرر جسيم.
حين تتحوّل الشائعة إلى سلاح
يؤكد نضال فاعور، خبير أمن وتكنولوجيا المعلومات، أن خطورة “التضليل المعلوماتي” (Misinformation) — أي تداول أخبار مجتزأة من سياقها أو مفبركة كليًا — لا تقتصر على تزييف الحقائق، بل تمتد إلى تهديد الاستقرار والسلم المجتمعي، وقد تصل في بعض الحالات إلى فقدان الأرواح نتيجة التحريض أو بث الخوف.
ويضيف أن هذا النوع من التضليل يترافق غالبًا مع ممارسات أخرى، مثل التزييف العميق (Deepfake)، وانتحال الشخصية، وتوجيه الرأي العام، ما يجعله أداة خطرة في سياق النزاعات.
أثر نفسي يتجاوز الخوف
في مناطق شمال شرقي سوريا، وتحديدًا في مدينة حسكة التي شهدت توترات وتصعيدًا عسكريًا بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية، كان للأخبار المضللة أثر بالغ على السكان/الساكنات.
تقول روناهي أحمد (24 عامًا)، من ساكنات أحد أحياء الحسكة:
“في الأيام الأولى للتوترات، انتشرت أخبار عن مجازر في المدينة. شعرنا جميعًا بالخوف، ولم نعرف كيف نتصرف. كنا نخشى الخروج من غرفنا إلى المطبخ، لأن منازلنا مفتوحة على الشارع. لاحقًا تبيّن أن تلك الأخبار مفبركة ولا أساس لها من الصحة.
تؤكد المختصة النفسية أميمة السلوم أن الأخبار الكاذبة تخلّف آثارًا نفسية عميقة، وتسهم في تفتيت المجتمع ونشر الكراهية والعنف، إضافة إلى التسبب باضطرابات نفسية مثل الأرق ونوبات الهلع. وتشير إلى أن بعض الحالات، ولا سيما بين الأطفال/الطفلات، تتطلب تدخلًا علاجيًا، حيث تظهر أعراض مثل السلس البولي أو التعلّق الزائد بالأهل نتيجة الخوف.
وتضيف: “بعض الأشخاص المتأثرين بالشائعات يفضّلون العزلة والانقطاع عن التواصل الاجتماعي، في محاولة للحد من القلق والتوتر”.
لماذا تنتشر الأخبار المضللة بسرعة؟
يوضح نضال فاعور أن الأخبار المفبركة غالبًا ما تخاطب الغرائز الإنسانية الأساسية، مثل الخوف والغضب والصدمة، ما يدفع المستخدم/ة إلى مشاركتها بسرعة، قبل التحقق منها عقلانيًا، خاصة عندما تكون مرفقة بصور أو فيديوهات صادمة أو تتعلق بالأطفال/الطفلات أو شخصيات معروفة.
ويضيف أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تلعب دورًا إضافيًا في تضخيم هذا النوع من المحتوى، إذ تعزّز المنشورات التي تحقّق تفاعلًا مرتفعًا. وبما أن الأخبار المثيرة تحصد تفاعلًا أكبر، تسهم هذه الخوارزميات — بقصد أو من دونه — في خلق ما يُعرف بـ**”غرف الصدى” (Echo Chambers)**، حيث لا يرى المستخدم/ة إلا ما يعزز قناعاته/ها المسبقة. ويُعرف هذا الأسلوب ضمن إطار الهندسة الاجتماعية (Social Engineering).
وترى أميمة أن الإنسان، حين يشعر بالخوف، يفقد في كثير من الأحيان قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم، نتيجة غياب التحليل النقدي والوعي المعرفي، مشيرة إلى أن الأخبار المفبركة تُستخدم بكثافة في الحروب، وغالبًا ما تكون جزءًا من سياسات ممنهجة لأهداف اجتماعية أو سياسية، وقد أسهمت تاريخيًا في انتصار دول وانهيار أخرى.
كيف نتحقق؟ منهجية (S.I.F.T)
لم تكن آهين عبد الرحمن (36 عامًا)، من مدينة ديريك/المالكية، على دراية بآليات التحقق من الأخبار، في ظل موجة منشورات تحدثت عن تعرّض مدينتها لهجوم مسلح، ما دفعها للاعتماد على أصدقاء/صديقات للتأكد من صحة ما يُتداول.
تقول آهين:
“تأثرت حياتنا اليومية بشكل كبير. بدأت أهمل واجباتي تجاه أطفالي ومنزلي. لم أشعر بالخوف في البداية، لكن كثافة الأخبار بثّت الرعب في داخلي، خصوصًا مع تواصل أقاربنا في الخارج معنا، لأنهم أيضًا يتأثرون بما يُنشر.”
يوضح نضال أنه، وفقًا للممارسات الأكاديمية في مجال التربية الإعلامية، يمكن اعتماد استراتيجية التحقق الرباعية المعروفة بـ(S.I.F.T):
التوقف (Stop): عدم التفاعل مع المحتوى فورًا، خاصة عند الشعور برد فعل عاطفي قوي.
التحقق من المصدر (Investigate the Source): فحص هوية الناشر/ة، وتاريخ الصفحة، وتوجهاتها السابقة.
البحث عن تغطية أشمل (Find Better Coverage): مقارنة الخبر مع مصادر إعلامية موثوقة.
تتبع السياق الأصلي (Trace Claims): العودة إلى الفيديو أو التصريح الكامل للتأكد من عدم الاجتزاء أو التحريف
حماية فردية ومسؤولية جماعية
للحد من تأثير ما يُعرف بـ”الصفحات الصفراء”، يشدد نضال فاعور على أهمية تعزيز التفكير النقدي وطرح السؤال الجوهري: من المستفيد من نشر هذه المعلومة في هذا التوقيت؟
كما يؤكد على ضرورة استخدام الأدوات التقنية، مثل البحث العكسي عن الصور، لكشف الصور القديمة التي يُعاد توظيفها في سياقات مضللة.
وفيما يخص التعامل مع المحتوى المضلل، ينصح بتجنب التعليق التصحيحي على المنشور نفسه، لأن ذلك يزيد من انتشاره، واللجوء بدلًا من ذلك إلى خاصية الإبلاغ (Report) كأداة تقنية وقانونية للحد من المحتوى الضار.
ويختم بالقول إن مواجهة التضليل الرقمي ليست مسؤولية تقنية فحسب، بل مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق كل مستخدم/ة. فـالوعي المعلوماتي هو خط الدفاع الأول، والضمانة الأساسية لعدم تحوّل المنصات الرقمية إلى أدوات هدم قد تقود إلى عواقب إنسانية وخيمة.
