أطفال النزوح بين فقدان الأمان والحاجة إلى الدعم النفسي

“في كل مرة يسمع فيها أطفالي صوت طرق الباب، ينتابهم خوف شديد ويقولون: سيهجمون علينا”، بهذه الكلمات تصف سميرة، وهي من مهجّرات عفرين، الحالة النفسية لأطفالها بعد تجربة النزوح. تقيم سميرة مع عائلتها في غرفة داخل إحدى مدارس مدينة قامشلي، التي تحوّلت، كغيرها من المدارس، إلى مراكز لإيواء المهجّرين/ات.

كانت سميرة واحدة من نحو 170 ألف شخص نزحوا/ن منذ السادس من كانون الثاني/يناير من محافظتيّ حلب والرقة باتجاه مدن محافظة حسكة، بحسب تقديرات الأمم المتحدة. إلا أن الأكثر إيلاماً بالنسبة لها، كما تقول، ليس مشقة النزوح بحد ذاته، بل الآثار النفسية التي لا تزال واضحة على أطفالها حتى اليوم.

 

وفي تقريرٍ صادر عن اليونيسف، يُقدَّر أن نحو 110 ملايين طفل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعيشون في بلدان متأثرة بالنزاعات. ويستمر العنف في تعطيل مختلف جوانب حياتهم/نّ؛ إذ تُدمَّر المنازل والمدارس والمرافق الصحية، ويتعرض الأطفال بانتظام لمواقف تهدد حياتهم/نّ، وضغوط نفسية شديدة، ونزوح متكرر، ما يجردهم/نّ من الشعور بالأمان ويترك ندوباً نفسية قد ترافقهم/نّ مدى الحياة.

 

ويشير التقرير ذاته إلى أن أكثر من 12 مليون طفل/ة نزحوا/ن، وأكثر من 40 ألفاً أُصيبوا/أُصبن، ونحو 20 ألفاً قُتلوا/ن. وفي كل خمس ثوانٍ، يتعرض طفل/ة للنزوح أو الإصابة أو القتل في النزاعات التي تشهدها المنطقة. كما أن طفل/ة واحد/ة من كل طفلين يعيش في بلد متأثر بالنزاع، في دعوة عاجلة من المنظمة لتعزيز حماية الأطفال في مناطق الصراع.

 

الخوف الذي يسكن تفاصيل الحياة اليومية

 

لا تختلف قصة فاطمة كثيراً عن سميرة. فقد نزحت مع زوجها وأطفالها الأربعة، إضافة إلى ثلاثة من أبناء أخيها الذي لا يزال في مدينة كوباني. تحاول فاطمة الحديث عما مرت به، لكن البكاء يقطع كلماتها في كل مرة. 

 

تقول: “لا أحد يستطيع أن يتخيل ما مررنا به. كان الأمر صعباً وقاسياً علينا نحن الكبار، فكيف بالنسبة للصغار؟ حتى الآن تستيقظ ابنتي ليلاً مرعوبة، وتبدأ بالبكاء والصراخ.”

 

وتوضح سميرة أن آثار النزوح على أطفالها لم تقتصر على الخوف، بل انعكست على سلوكهم أيضاً. فطفلها الأكبر، الذي كان هادئاً بطبعه، أصبح أكثر عصبية وسرعة في الغضب، وأكثر تطلباً، على حد وصفها.

 

أما هيلما، وهي نازحة من عفرين، فقد كان طفلها يبلغ أربعة أشهر فقط عندما اضطرت للنزوح من الطبقة إلى قامشلي. خلال رحلة النزوح القاسية، لم تتمكن من اصطحاب سوى المستلزمات الأساسية لطفلها الرضيع.

 

تقول هيلما: “ما حصل معنا أثّر كثيراً على نفسيتي، فانقطع طفلي عن الرضاعة الطبيعية، ولم يعد هناك حليب في صدري. اعتمدنا على الحليب الصناعي الذي يصلنا كمساعدات، لكن المشكلة أن نوع الحليب يتغير في كل مرة، وهذا مضر بصحة الرضع. طفلي أُصيب بالتهاب في الأمعاء.”

 

كيف يجب التعامل مع الأطفال النازحين/ات؟

 

تؤكد الاختصاصية النفسية لافا هسام أن التجارب القاسية التي يعيشها الأطفال خلال الحروب تضعهم/نّ في حالة خوف وتوتر دائمين، مشيرة إلى أن تجاهل هذه المشاعر أو عدم التعامل معها بشكل صحيح قد يجعل آثارها ممتدة على المدى الطويل.

 

وتوضح أن الأطفال الذين/اللواتي تعرضوا/نّ للنزوح بحاجة ماسة إلى الشعور بالأمان، مشددةً على ضرورة أن يكون الأهل صادقين/ات مع أطفالهم/نّ، وأن يطمئنوهم/نّ بأنهم/نّ في مكان أكثر أماناً من السابق، كما ينبغي شرح ما يحدث بلغة تتناسب مع أعمارهم/نّ وقدرتهم/نّ على الاستيعاب، دون تخويفهم/نّ أو تحميلهم/نّ ما يفوق طاقتهم/نّ.

 

وتضيف أن من المهم إشراك الأطفال في أنشطة بسيطة، مثل سرد قصص تحمل رسائل إيجابية، وتشجيعهم/نّ على القيام بمساعدات رمزية داخل الأسرة، لما لذلك من أثر في تعزيز شعورهم/نّ بالقيمة والسيطرة على جزء من حياتهم/نّ.

 

أما الأطفال الذين/اللواتي لم يعايشوا/ن تجربة النزوح بشكل مباشر، فتؤكد لافا أهمية إتاحة المجال لهم/نّ للتعبير عن مشاعرهم/نّ، سواءً أكان بالكلام أو الرسم أو اللعب، كما تنصح بعدم تعريضهم/نّ لمشاهد الأخبار العنيفة، مع ضرورة إطلاعهم/نّ على ما يحدث بأسلوب آمن ومبسط، دون إشعارهم/نّ بأنهم/نّ في خطر دائم.

 

وتقدّر اليونيسف أن 45 مليون طفل/ة في المنطقة سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية بسبب استمرار المخاطر والظروف الهشة التي تهدد حياتهم/نّ، مقارنة بـ32 مليوناً في عام 2020، أي بزيادة قدرها 41 بالمئة خلال خمس سنوات فقط.

 

وفي ظل استمرار النزاعات، تبقى قصص سميرة وفاطمة وهيلما نماذج حية لمعاناة آلاف العائلات وأطفالهم/نّ، حيث لا يقتصر النزوح على فقدان المأوى، بل يمتد ليترك أثراً عميقاً في نفوس الصغار، قد يلازمهم/نّ لسنوات طويلة.