بعد سنوات الجفاف .. هل يكون موسم الجزيرة نقطة التحول الزراعي؟

بعد سنواتٍ متتالية من الجفاف وتراجع الإنتاج، يدخل الموسم الزراعي لعام 2026 في منطقة حسكة مرحلةً حاسمة، مدفوعاً بهطولاتٍ مطرية جيدة أعادت الأمل إلى الأراضي الزراعية، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحدياتٍ تتطلب إدارة دقيقة ودعماً فعّالاً.

في ريف ديريك/المالكية، يقول المزارع يوسف علي إن التوقعات الأولية تبشّر بموسم جيد، رغم بعض المشكلات التي واجهت عدداً من المزارعين. ويوضح:

“نتوقع موسماً جيداً. صحيح أن بعض المزارعين حصلوا على بذار غير صالحة ولم تنمُ محاصيلهم، لكن بشكل عام المؤشرات إيجابية. الآن نحتاج إلى أشعة الشمس ليكتمل النمو.”

ويشير يوسف إلى أنه حصل على البذار من هيئة الزراعة وزرع 20 هكتاراً من القمح الطري والقاسي، لافتاً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب دفئاً وأشعة شمس لتعزيز النمو بعد وفرة الأمطار.

في المقابل، يعكس المزارع جكدار ميرزو، من ريف الدرباسية، صورة أكثر تشاؤماً. إذ يؤكد أن البذار التي استلمها كانت “مضروبة وغير صالحة للزراعة”، على حد وصفه، وأن مطالبه المتكررة لم تسفر عن أي استجابة.

ويقول: “زرعت 250 دونماً، منها 100 دونم تبعد سبعة كيلومترات عن الموقع المحدد في أوراقي الرسمية، فاعتُبر أنني غيّرت مكان الزراعة، ولم أُعوَّض ببذار صالحة. زرت الجهات المعنية أكثر من مرة، لكنني فقدت الأمل، وأرى موسمي ينهار أمام عيني.”

البذار والدعم الزراعي .. إشكالية قائمة

يرى المزارع حمدين عمر، من ريف ديريك/المالكية، أن الموسم جيد من حيث النمو حتى الآن، إلا أن ارتفاع أسعار الأسمدة يشكل عبئاً ثقيلاً على المزارعين.

ويقول: “الوضع الزراعي جيد حالياً، لكن سعر السماد مرتفع جداً. بعض المزارعين لن يقوموا برشه بسبب تكلفته، خاصة أن المواسم الماضية لم تحقق لهم أي فائدة.”

ويختصر مطلبه قائلاً: “كل ما نريده هو خفض سعر السماد لنتمكن من تسميد أراضينا.”

من جهته، يؤكد سوزدار برو، الرئيس المشترك للجنة الزراعة في مقاطعة الجزيرة، أن الموسم الحالي يُعد من أفضل المواسم بعد سنوات الجفاف، لا سيما أن غالبية الأراضي في المنطقة تعتمد على الزراعة البعلية.

ويوضح أن الأمطار هطلت في الوقت المناسب، وأن عمليات الزراعة جرت في ظروف مثالية، مشيراً إلى أن المحاصيل الشتوية تحتاج إلى هطل مناسب خلال مرحلة الإنبات لتفادي الإصابة المبكرة بالآفات. ويضيف أن بعض الآفات ظهرت بالفعل، “لكن موجة الصقيع حدّت من انتشارها وأوقفت ضررها.”

ويبيّن أن المحاصيل خرجت من طور السبات قبل نحو عشرين يوماً ودخلت مرحلة استعادة النشاط، مع ملاحظة تحسن يومي واضح في النمو بفضل الأمطار الوفيرة، مؤكداً أن المرحلة الحالية تحتاج إلى دفء وأشعة شمس لاستكمال التطور الطبيعي للنبات.

لكنه يحذّر من احتمال عودة الآفات الحشرية وظهور إصابات فطرية ونقص في عنصر الزنك وتعفن الجذور، خاصة في المناطق ذات الرطوبة المرتفعة مثل ديريك وريفها، مشدداً على ضرورة اليقظة مع اقتراب موسم ظهور حشرة السونة ودودة الورق.

ويؤكد أن هيئة الزراعة تمتلك الإمكانات لمكافحة الآفات واسعة الانتشار، في حين تتطلب الإصابات المحدودة تدخلاً فردياً من المزارعين، وفق درجة انتشارها.

أما فيما يتعلق بمشكلة البذار، فيشير إلى أن الإقبال الكبير وغير المتوقع من المزارعين هذا العام فاق التحضيرات المعتادة، خاصة بعد ضعف الإقبال في السنوات السابقة. ويضيف أن الكميات المحضّرة لم تكن كافية، ما اضطر المؤسسة إلى فتح الصوامع وتأمين بذار من الدرجة الأولى، تضمنت بعض الكميات ضعيفة الإنبات.

ويؤكد أن المؤسسة عوّضت المزارعين المتضررين ممن حصلوا على البذار بطرق قانونية، بينما لم تتمكن من تعويض من حصلوا عليها بطرق غير نظامية.

وبحسب الإحصائيات المسجلة لدى اللجنة، بلغت المساحات المزروعة في منطقة الجزيرة 215 ألف هكتار مروياً و323 ألف هكتار بعلياً. ويشير إلى أن بعض المزارعين لا يسجلون مساحاتهم، ما يعني أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى، مؤكداً وجود زيادة واضحة مقارنة بالسنوات الماضية، رغم غياب بيانات مقارنة دقيقة.

كما يلفت إلى أن لجنة الزراعة وزعت 25 مليون لتر من المازوت خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول 2025 كدفعة أولى، على أن تُستكمل الدفعة الثانية في الوقت المناسب، مع استعداد للتدخل في حال تراجعت معدلات الأمطار.

خطر الآفات والأمراض الفطرية

يرى المهندس الزراعي آزاد عبد العزيز أوسو أن موسم 2026 يشكل بداية واعدة بعد أعوام من الجفاف، مشيراً إلى أن كمية الأمطار في مدينة عامودا بلغت نحو 260 ملم حتى الآن، وهي كمية جيدة جداً مقارنة بالمواسم السابقة.

ويذكّر بأن المنطقة عانت في السنوات الماضية من جفاف قاسٍ أثّر مباشرة على إنتاجية المحاصيل، وأرهق المزارعين اقتصادياً ومعنوياً، نتيجة ضعف الإنبات وانخفاض الغلة وارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويؤكد أن المعطيات الأولية تبشّر بموسم “ممتاز”، إذ تبدو محاصيل القمح والشعير والعدس والجلبان والكزبرة وحبة البركة والفول والحمص في حالة نمو جيدة جداً، من حيث الكثافة النباتية واللون الأخضر ومؤشرات التفريع والإزهار الأولية.

إلا أنه يحذر من أن وفرة الأمطار قد تتحول إلى عامل خطر إذا ترافقت مع ارتفاع درجات الحرارة، خاصة خلال الشهر الرابع، ما يهيئ بيئة مثالية لانتشار الأمراض الفطرية.

ومن أبرز المخاطر المحتملة على القمح، بحسب أوسو، الصدأ الأصفر، والصدأ المخطط، وصدأ الساق، إضافة إلى التفحمات المختلفة على القمح والشعير. أما المحاصيل البقولية والعطرية، فقد تتعرض لأمراض الذبول والتبقع البني والأسكوكيتا على الحمص، إلى جانب إصابات فطرية على حبة البركة والفول.

ويشدد آزاد على أن الوقاية هي الأساس، وأن التعامل مع المرض في مراحله الأولى أقل كلفة وأكثر فاعلية من محاولة إنقاذ محصول متضرر، مؤكداً ضرورة المراقبة الدورية للأراضي الزراعية والتشخيص المبكر واستخدام المبيدات الفطرية وفق توصيات فنية دقيقة وبالجرعات المناسبة وفي التوقيت الأمثل.

وفي ما يتعلق بالدعم الزراعي، يشير إلى أن لجان الزراعة تؤدي دورها في توفير البذار والأسمدة، إلا أن الكميات غالباً لا تكفي لتغطية المساحات المزروعة، ولا ترقى إلى مستوى الدعم المطلوب في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويرى أن المزارعين بحاجة إلى دعم أكثر واقعية يتمثل في توفير البذار والأسمدة بنظام الدفع المؤجل، وزيادة مخصصات المازوت، وتقديم قروض مالية ميسرة لتأمين مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب دون الوقوع في ديون مرهقة.

ويخلّص إلى أن موسم 2026 يحمل فرصة حقيقية لتعويض خسائر السنوات الماضية، لكن النجاح لن يتحقق تلقائياً، بل يحتاج إلى إدارة علمية دقيقة، ومتابعة مستمرة، وتدخل وقائي مبكر، إلى جانب دعم مؤسساتي فعّال، لأن دعم المزارع هو استثمار مباشر في الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة بأكملها.