مستقبل معلّق بانتظار القرار: ماذا ينتظر طلاب مناهج الإدارة الذاتية؟

“حين انتقلتُ للتعلم وفق مناهج الإدارة الذاتية، أكثر ما أذكره أنني شعرتُ براحة نفسية لأنني سأبدأ الدراسة باللغة ذاتها التي أتحدث بها في المنزل”، تقول لجين إبراهيم، من مدينة ديريك/المالكية.

درست لجين الصفين الأول والثاني وفق مناهج الحكومة السورية السابقة، ثم انتقلت في الصف الثالث الابتدائي إلى مناهج الإدارة الذاتية باللغة الكردية، لتكمل مسيرتها التعليمية وصولاً إلى المرحلة الجامعية، حيث تدرس اليوم في قسم تقانة المعلومات وفق المناهج ذاتها، التي تصفها بأنها “الأفضل”.

وتوضح: “كان التعليم أسهل بكثير، ولم أواجه صعوبة في فهم ما نتعلمه، خاصة في المرحلة الابتدائية. هذه لغتي التي أعرفها جيداً.”

التعليم باللغة الأم… ماذا تقول التقارير الدولية؟

تؤكد اليونسكو في تقريرٍ لها أن الطلاب يتعلمون بصورة أفضل عندما يكون التعليم باللغة التي يفهمونها. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن نحو 40% من سكان العالم لا يحصلون على تعليم بلغتهم/نّ الأم أو باللغة التي يتقنونها.

في شمال شرقي سوريا، بدأت الإدارة الذاتية، منذ عام 2015 تطبيق مناهجها تدريجياً باللغات الثلاث: الكردية والعربية والسريانية، في معظم مناطق الجزيرة (باستثناء المربعات الأمنية)، واستكملت تعميمها حتى عام 2020 لتشمل المرحلتين الابتدائية والإعدادية، ثم المرحلة الثانوية.

وكانت اللغة الكردية قبل عام 2014 تُدرَّس ضمن ساعات محدودة إلى جانب مناهج الحكومة السورية. لاحقاً، افتتحت الإدارة الذاتية جامعات في مدن قامشلي وكوباني والرقة وعفرين، قبل أن تفقد الأخيرة بعد عملية “غصن الزيتون” عام 2018. وفي أيلول/سبتمبر 2020 أعلنت استكمال إعداد منهاج الصف الثالث الثانوي، لتصبح المناهج مطبقة على كامل المراحل التعليمية.

أرقام تتغير… ومخاوف تتصاعد

بحسب إحصائية صادرة عن هيئة التربية والتعليم لشمال وشرق سوريا عام 2023، بلغ عدد الطلبة المسجلين في مدارس الإدارة الذاتية نحو 863,388 طالباً وطالبة، مقابل 43,099 معلماً ومعلمة.

إلا أن التغيرات الأخيرة في مناطق شمال شرقي سوريا، وتراجع سيطرة الإدارة الذاتية في منطقة الحسكة، أدت إلى انخفاض العدد إلى نحو 250 ألف طالب وطالبة، موزعين/ات على 11 مدينة يرتبط بها 11 مجمعاً تربوياً، تضم نحو 1200 مدرسة، وفق تصريح سابق لهيئة التربية في مقاطعة الجزيرة لمنصة نيكستوري.

هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها الطلبة تحديات مرتبطة بمسارهم/نّ التعليمي، لكن الأهالي يعتبرونها الأكثر حساسية، لأنها قد تحدد مصير الشهادات ومستقبل أبنائهم/نّ.

يقول سيامند إبراهيم، والد لخمسة أطفال يدرسون جميعهم/نّ في مدارس الإدارة الذاتية:

“كانت لدينا مخاوف دائماً على مستقبل أطفالنا. ابنتي الكبرى في الصف الثالث الثانوي، وأصغرهم في الصف الثاني. لا أعتقد أنني وحدي من يشعر بالقلق، فجميع الأهالي يتشاركون المخاوف ذاتها، ونأمل أن يُؤخذ مستقبل أبنائنا بجدية في المفاوضات الجارية.”

مرسوم جديد… وأسئلة مفتوحة

أصدر رئيس الحكومة الانتقالية المرسوم رقم (13) لعام 2026 المتعلق بخصوصية الكرد في سوريا. وتنص المادة الثالثة منه على اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكّل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان، ضمن مناهج اختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي.

كما أعلنت التعليمات التنفيذية للمرسوم تطوير منهج خاص لتعليم اللغة الكردية بمعدل ساعتين أسبوعياً، إلى جانب أنشطة ثقافية يمكن تنفيذها ضمن البرامج المدرسية.

إلا أن هذا المرسوم فتح باب التساؤلات حول مصير الطلاب الذين أمضوا سنوات دراستهم وفق مناهج الإدارة الذاتية.

تقول نوروز، من مدينة الحسكة، إن ابنتها في المرحلة الثانوية، وإن مصيرها، إلى جانب آلاف الطلبة، لا يزال مجهولاً حتى الآن.

بين الإحباط والأمل… ماذا يريد الطلبة؟

ترافق القلق لجين طوال سنوات دراستها، خاصة مع تكرار عبارة: “شهادتك غير معترف بها،” ورغم ذلك، لم تتراجع عن استكمال تعليمها.

تقول: “في كل مرة كنت أسمع أن شهادتي غير معترف بها، كنت أشعر بالإحباط. لذلك أتمنى بشدة أن يتم الاعتراف بهذه المناهج وشهاداتها، وألا يُحبط طفل يدرسها اليوم. لقد كانت فرصة حقيقية لأن يدرس كل شخص بلغته الأم، وهذا مكسب يجب الحفاظ عليه.”

من جهتها، لم تتمكن منصة نيكستوري من الحصول على تصريح رسمي من وزارة التربية في دمشق أو من هيئة التربية في مقاطعة الجزيرة بشأن مسار التفاوض حول العملية التعليمية في الحسكة، إذ رفض المسؤولون الإدلاء بأي تصريح إلى حين انتهاء المباحثات.

وفي اليوم العالمي للغة الأم، المصادف 21 من شهر شباط/فبراير، ظهر قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، في تسجيل مصوّر أكد فيه ضرورة أخذ مكتسبات التعليم بعين الاعتبار ضمن الاتفاقية الأخيرة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. وأشار إلى وجود لقاءات بين هيئة التربية ووزارة التربية لمناقشة ملف التعليم واللغة في المنطقة، داعياً الأهالي إلى الاستمرار في تعليم أبنائهم/نّ في المدارس التي تُدرّس اللغة الكردية.

في ظل غياب قرار نهائي، يبقى مستقبل آلاف الطلبة معلّقاً بين واقع دراسي قائم، ومسار تفاوضي لم تتضح ملامحه بعد. وبين الإحباط والأمل، ينتظر هؤلاء الطلاب والطالبات اعترافاً يضمن لهم/نّ استكمال تعليمهم/نّ دون أن يدفعوا/ن ثمن التحولات السياسية.