بين العرف والفقر: معركة السوريات مع التعليم

في كثير من القرى السورية، تنتهي رحلة التعليم لدى الفتيات في سن مبكرة لأسباب متعددة، من بينها الفقر. إلا أن منظومة الأعراف الاجتماعية تُعدّ أيضًا عاملاً يحدّ من أدوارهن وفرصهن منذ سن صغيرة.

وتكشف تجارب نساء سوريات، مثل عبير حمدان، كيف يمكن لهذه الأعراف أن تحرم الفتيات من مقاعد الدراسة، وأن تحوّل التعليم إلى معركة طويلة لاستعادة حقٍ حُرمن منه. تقول عبير حمدان، وهي امرأة في الأربعينيات من ريف السويداء:

“لم يكن ترك المدرسة خياراً نتيجة الحالة المعيشية الصعبة فحسب، بل عرف مجتمعي، ينتظر كل فتاة تجاوزت سن التعليم الإلزامي في قريتنا.” 

كانت عبير من بين الفتيات اللواتي تركن مقاعد الدراسة قبل الحصول على أيّ شهادة تعليمية. وبصفتها الابنة الكبرى، اضطرت للعمل في الأراضي الزراعية لمساعدة عائلتها. إلا أن كتب أشقائها الأصغر منها كانت بمثابة نافذة أعادت إشعال رغبتها في التعلم.

بعد سنوات، قررت عبير خوض امتحانات الشهادة الثانوية، وتمكّنت بالفعل من اجتيازها. لاحقاً، سجّلت في كلية الآداب – قسم اللغة العربية في دمشق وهي في الثلاثين من عمرها.

تقول عبير: “لم أشعر بأن فارق العمر بيني وبين طلاب السنة الأولى مشكلة. على العكس، كان وجودي بينهم يعوّضني عن سنوات الغياب. لم يكن هدفي من التعلّم الحصول على الشهادة أو العمل فقط، بل كان تعبيراً عن تعطّشي لمرحلة فقدتها من حياتي.”

تخرجت عبير من الجامعة بمعدل جيد، لكنها لم تكتفِ بذلك. فقد التحقت لاحقاً ببرنامج التعليم المفتوح في سوريا، وتدرس اليوم في السنة الثالثة في قسم الدراسات الدولية والدبلوماسية، وهي تبلغ من العمر 47 عاماً.

خاضت عبير تجربتها بحزم بعد سنواتٍ من الحرمان، على عكس غيثاء زيني من ريف طرطوس، التي تروي قصة مختلفة؛ إذ لم تتح لها فرصة تلقي التعليم طوال حياتها، وكرّست وقتها لتربية أطفالها.

تقول غيثاء: “كنت أتعرض لمواقف محرجة لأنني لا أعرف القراءة والكتابة، خصوصاً عندما يطلب مني أطفالي مساعدتهم في مراجعة دروسهم. لذلك بدأت بمتابعة البرامج التعليمية على التلفاز، وجعلت من دروسهم محور نقاشاتنا كل مساء.”

وتضيف: “لا شك أنني خسرت جزءاً من حياتي الاجتماعية، لكنني أثبتّ أن الأمية لا تُورَّث.”

رغم عدم حصولها على تعليم رسمي، تمكنت غيثاء من تربية ثلاثة أطفال أصبحوا لاحقاً طبيبة وصيدلانية ومهندساً. وتقول إنها تشعر بالفخر حين ترى اسمها في الصفحات الأولى من مشاريع تخرجهم، معتبرة ذلك بمثابة شهادة عوضتها عن الحرمان الذي فرضه عرف مجتمعي يرى أن “مكان المرأة في المنزل فقط”.

بين العائلة والقانون: لماذا تُحرم الفتيات من التعليم؟

تتكرر هذه التجارب في مناطق سورية أخرى. رانيا، وهي امرأة في الثلاثينيات من مدينة ديريك/المالكية، فضّلت الحديث باسم مستعار بسبب حساسيات اجتماعية.

نشأت رانيا في عائلة تشجع التعليم؛ فوالدها كان يعمل في مجال التدريس ويحرص على أن يكمل جميع أطفاله تعليمهم. وقد أنهت رانيا دراستها في أحد المعاهد.

لكن حياتها بعد الزواج كانت مختلفة. تقول إن عائلة زوجها لا تعطي أهمية كبيرة للتعليم، خصوصاً تعليم الفتيات، وترفض فكرة انتقالهن إلى مدن أخرى لمتابعة دراستهن.

تقول رانيا: “عندما أدرّس بناتي، أتعرض للضغط والانتقاد. يقولون لي: شو هالبلا اللي جبتيلنا ياه. لذلك أعيش حالة من القلق الدائم خوفاً من ألا أتمكن من الاستمرار في تعليم بناتي.”

وتشير إلى أنها تتحمّل أعباء إضافية في أعمال المنزل حتى لا يُلقى اللوم على دراسة بناتها.

ترى ندى الجندي المختصة في الحماية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، أن حرمان النساء والفتيات من التعليم في سوريا يعود إلى تداخل عوامل سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية، إضافة إلى تأثير النزاعات والحروب، وتوضح أن من أبرز هذه العوامل الفشل في ضمان الحق في التعليم دون تمييز، في ظل ضعف الأطر القانونية والآليات التي تكفل حماية هذا الحق للجميع.

كما أن تدهور البنية التحتية وغياب المدارس الآمنة وصعوبة الوصول إليها يدفع كثيراً من العائلات إلى الامتناع عن إرسال الفتيات إلى المدارس، خوفاً على سلامتهن.

وتضيف الجندي أن الأعراف الاجتماعية تلعب دوراً مهماً في إعادة إنتاج أدوار تقليدية تحصر النساء في إطار الزواج والأمومة، ما يحدّ من فرص تعليمهن.

وتشير أيضاً إلى أن الأسر المهمّشة اقتصادياً غالباً ما تعطي الأولوية لتعليم الذكور على حساب الإناث. وفي سياق الحروب والنزاعات، تصبح النساء أكثر عرضة للتمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وبالتالي تزيد احتمالات التزويج المبكّر كأحد أشكال التكيف السلبية مع الظروف الصعبة. 

وعن انعكاسات حرمان النساء من التعليم أوضحت ندى أنّ حرمان الفتيات من التعليم يؤدي إلى إقصائهنّ عن مؤسسة اجتماعية مركزية تسهم في التنشئة الاجتماعية وبناء الهوية، الأمر الذي يخلّف آثاراً نفسية عميقة، تتجلى في تدني تقدير الذات والشعور بعدم الاستحقاق.

وتضيف ندى، حرمان النساء من التعليم له آثار واسعة على مستويات متعددة، على الصعيد الشخصي، يقيد هذا الحرمان خياراتهنّ ويؤثر على حقوقهنّ الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، والصحة، والاستقلال، والحماية من العنف، ويزيد ذلك من هشاشتهنّ أمام أشكال التمييز والاستغلال الاجتماعي.

أما على مستوى المجتمع، فيسهم حرمان النساء من التعليم في إعادة إنتاج اللامساواة الجندرية والتي تنعكس بدورها على العدالة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع ككل، ويُضعف التنمية، ويُبقي دوائر الفقر والعنف مستمرة عبر الأجيال. ومن منظور الحماية، يُعتبر تعليم النساء أحد أهم عوامل الوقاية من العنف، وغيابه يضاعف مخاطر التعرض له ويحدّ من قدرة المجتمع على بناء بيئة آمنة ومستقرة.

حين تُحمَّل الأم مسؤولية تعليم حُرمت منه

نورا، وهي امرأة في الثلاثينيات من ريف ديريك/المالكية، لم تتح لها فرصة التعلم بسبب بيئة عائلية لا تهتم بالتعليم وتؤمن بأن “مستقبل النساء في منازل أزواجهن”، لذا فإنّ جميع نساء العائلة لم يتلقّين التعليم، لكن لم تشعر نورا بأثر ذلك إلا حين أنجبت أطفالاً ووصلوا إلى مرحلة الدراسة. 

“أطفالي يتعلمون، ولا يمكنني مساعدتهم البتّة، فأنا لا أعرف القراءة والكتابة، لذا لجأت لتأمين معلّمة لتدريسهم، وجلّ ما أستطيع فعله لهم، تأمين الجو المناسب لدراستهم، والبقاء بجانبهم خلال أوقات الدراسة؛ أنا نادمة لأنني لم أتعلم، فالآن أتحمل أعباء مادية إضافية نتيجة ذلك.” تقول نورا. 

 تشير ندى إلى أنّ حصر دور تعليم الأطفال على الأمهات بينما يُحرمن في الوقت نفسه من حقهن في التعلم، يخلق تناقضاً حقوقياً واجتماعياً، ينتج عنه شعور متراكم بالذنب وعدم الكفاية لدى هؤلاء الأمهات، نتيجة معايير أمومة غير عادلة.

وتشدد ندى على ضرورة تبني استراتيجية شاملة ومتعددة المستويات، تجمع بين الاستجابة الفورية للحماية، ومعالجة الأسباب الجذرية للمشكلة، وتنفيذ إصلاحات هيكلية طويلة الأمد، ويستلزم ذلك تعاوناً متكاملاً بين الدولة، والمجتمع المدني، والمنظمات الدولية، والإعلام لضمان وصول الحلول إلى كل المستويات.

وتضيف أنه يجب اعتبار التعليم التزاماً قانونياً على الدول وليس مجرد خيار اجتماعي، إلى جانب مواءمة القوانين الوطنية مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحماية حق الفتيات في التعليم دون تمييز. 

بالإضافة إلى ضمان تعليم آمن وشامل يراعي الصحة النفسية ويكفل فرص التعلم المتساوية، وإيجاد دعم اقتصادي مباشر للأسر الأكثر هشاشة لتقليل العقبات المالية أمام تعليم الفتيات، وتوفير برامج تعليمية بديلة ومرنة للنساء اللواتي حُرمن من التعليم سابقاً.

والأهم هو مساءلة الجهات المقصّرة في حماية حق الفتيات، لضمان تطبيق القوانين والسياسات، وإشراك النساء والفتيات في صنع القرار المتعلق بالسياسات التعليمية لضمان أن تعكس البرامج احتياجاتهنّ وحقوقهنّ.