في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح جديدة تتشكل في طريقة تفكير الشباب السوري حول الزواج، حيث لم يعد اختيار شريك الحياة محصوراً بالأنماط التقليدية التي تفرضها العائلة أو الأعراف الاجتماعية، بل بات يميل أكثر نحو القناعة الشخصية والتوافق بين الطرفين.
يقول محمد (21 عاماً) من مدينة دمشق إن اختياره لشريكة حياته كان تجربة مختلفة عن محيطه الاجتماعي: “لم أكن أعلم أن تغييراً بسيطاً خارجاً عن المألوف يمكن أن يقود إلى هذه النتيجة التي أراها اليوم مثالية.”
خرجت تجربة محمد عن النمط السائد، حيث يفضل كثيرون/ات الزواج من داخل العائلة أو بين أبناء وبنات العمومة، وبعد سنة ونصف من الزواج، يرى أن امتلاك معايير شخصية لاختيار شريك/ة الحياة أمر بالغ الأهمية، حتى لو تعارض مع توقعات المجتمع.
ويضيف: “صحيح أن محيطي يركز على زواج الأقارب، لكنني فضّلت الزواج بعد فترة تعارف دامت ثلاث سنوات خارج إطار العائلة، وأعتبر ذلك من الأسباب الأساسية في نجاح تجربتي.”
مثل محمد، يفضل الكثير من الشباب والشابات اليوم، وضع معاييرهم/نّ الخاصة لاختيار شريك/ة الحياة، ولم يعد الزواج مقتصراً على الاعتبارات الاقتصادية أو الاجتماعية التقليدية، كما توضح هبة الرجا (29 عاماً) من مدينة الحسكة.
“أرى كثيرين يلاحقون المظاهر المزيّفة، متناسين جوهر الزواج، الذي يقوم بالدرجة الأولى على بناء علاقة قائمة على الشراكة.” تقول هبة.
من جانبها، تشير الباحثة الاجتماعية رشا مروان إلى أن هذا التوجه يعود جزئياً إلى تأثر الشباب والشابات بتجارب الأجيال السابقة، ومحاولتهم/نّ كسر القيود التي تراكمت عبر الزمن: “يمكن تفسير هذا التحول أيضاً بمواكبة التطور الحاصل في المجتمعات عموماً، فالشباب يرغبون دوماً في التغيير وكسر القواعد النمطية.”
كيف تغيّرت معايير الزواج؟
تشير الباحثة الاجتماعية رشا مروان إلى أن هذا التحول يرتبط بتأثر الشباب بتجارب الأجيال السابقة، وسعيهم لكسر القيود التي تراكمت عبر الزمن.
وتقول: “يمكن تفسير هذا التغير أيضاً بمواكبة التطورات الاجتماعية، فالشباب يرغبون دائماً في التغيير وكسر الأنماط التقليدية.”
من جهته، يرى مسعود حسن، من مدينة القامشلي والمقيم في إحدى الدول الأوروبية، أن معايير اختيار شريكة الحياة تغيرت لديه بشكل واضح.
ويقول: “في مجتمعي، يُفضَّل أن تكون الزوجة ربة منزل فقط، لكنني أبحث عن شريكة واعية وقادرة على الحوار واتخاذ القرار. هذه مسؤوليات مشتركة، وليست حكراً على النساء.”
ويضيف: “يفرض المجتمع على الزوجة تلبية احتياجات زوجها وإتقان الأعمال المنزلية، رغم أن هذه المسؤوليات يجب أن تكون مشتركة. لا أرى أن إجادة الطبخ معياراً أساسياً للاختيار، بل أفضّل شريكة واعية ومتفهمة نتقاسم الحياة معاً.”
ويضيف مسعود أن اختيار الشريك على أساس الوعي والتفاهم يسهم في تقليل المشكلات بعد الزواج. هذا الرأي تتفق معه شيرين محمد من مدينة ديريك/المالكية، التي لم تلتزم بالمعايير السائدة في جيلها.
وترى شيرين محمد من مدينة ديريك/المالكية أن التجارب الشخصية تلعب دوراً كبيراً في تشكيل هذه المعايير.
تقول: “قبل عشر سنوات، كان الزواج من شاب مقيم في أوروبا يُنظر إليه كضمان اقتصادي. لكنني اخترت مساراً مختلفاً رغم الضغط. وضعت معايير خاصة، كان أهمها المحبة والتفاهم.”
وتضيف: “لم يكن الوضع المادي لزوجي جيداً، لكنني لم أندم. اليوم لدينا تفاهم، وتحسن وضعنا لاحقاً.”
بين المظاهر والجوهر
رغم مرور السنوات، لا تختلف معايير شيرين كثيراً عن معايير هبة الرجا، التي تؤكد أن الصدق والقبول يتصدران أولوياتها، على عكس ما هو شائع في محيطها الاجتماعي.
“أغلب الناس يفضلون الزواج دون معرفة حقيقية بالطرف الآخر، ويركزون على التفاصيل التي يمكن نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل طريقة طلب الزواج، والفستان، والحفلات الباهظة. هذه التفاصيل لا تهمني شخصياً، بل أصبحت عبئاً كبيراً على الرجال.”
يؤكد مسعود من جهته أن بعض الشباب والشابات لا يزالون يلجأون إلى الطرق التقليدية بهدف الزواج فقط، دون التفكير بعواقب هذا القرار على المدى الطويل.
وتشير الباحثة رشا إلى أن معايير اختيار الشريك/ة شهدت تغيراً ملحوظاً، حيث أصبحت بعض الأمور المرفوضة سابقاً أكثر قبولاً، مثل أن يكون الزوج أصغر من الزوجة، أو أن يبدأ التعارف عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
“حتى التنوع الطائفي في اختيار الشريك بات أمراً مألوفاً، كما أن بعض الشباب بدأوا بالمطالبة بالزواج المدني. لا يمكن الجزم أي الخيارين أفضل، التقليدي أم غيره، فالأمر مرتبط بطبيعة الشريكين. هناك زيجات تقليدية ناجحة جداً، والعكس صحيح.”
القرار الشخصي بين الماضي والحاضر
بات لدى الشباب والشابات اليوم هامش أوسع من الحرية في وضع معايير حياتهم/نّ، بما في ذلك تأجيل فكرة الزواج أو رفضها كلياً. منار حمد (30 عاماً) من السويداء تفضل البقاء عازبة، خاصة مع استقلالها الاقتصادي، وتعتبر أن هذا الخيار لم يكن متاحاً للفتيات سابقاً.
في المقابل، ترى لميس (47 عاماً) من ريف حماة أن ما تتمتع به منار اليوم كان رفاهية بعيدة المنال في قريتها قبل أكثر من عشرين عاماً: “منذ بلوغي تم تزويجي لابن عمي دون أن يؤخذ رأيي. بعد سنوات تأقلمت مع حياتي، لكننا لم ننجب أطفالاً، فقرر زوجي الزواج من امرأة ثانية بهدف الإنجاب، رغم أن جميع الفحوصات الطبية التي أجريتها كانت سليمة.”
بعد هذا القرار، اختارت لميس الانفصال، لكنها واجهت رفضاً قاسياً من عائلتها ومحيطها الاجتماعي: “عائلتي وأهل قريتي قاطعوني، واليوم أنا محرومة من حق الأمومة بسبب ضعف فرص الإنجاب في هذا العمر. كل ما حدث كان نتيجة الأنانية والتحكم بالقرارات الشخصية، وهي مشكلة لا تزال الكثير من النساء في قريتي يعانين منها.”
ولا يقتصر الضغط على النساء فقط، إذ يشير هلال نزيه (52 عاماً) من ريف طرطوس إلى أنه رفض الزواج بسبب القيود الاجتماعية التي تفرض عليه الاختيار ضمن العائلة أو القرية.
في هذا الصدد، تشدد الباحثة الاجتماعية رشا مروان على أهمية اختيار الشريك/ة بناءً على القيم المشتركة والتوافق الفكري وتقبل الاختلاف، خصوصاً عندما ينتمي الطرفان إلى بيئات مختلفة.
“نوصي بوجود فترة تعارف تسبق الزواج، تكون مبنية على الصدق، لوضع أسس العلاقة ومعرفة درجة التوافق بين الطرفين. كما أن تحقيق التوازن بين العقل والعاطفة أمر أساسي لنجاح أي علاقة زوجية.”
وتشير دراسة نُشرت عام 2020 في مجلة علمية تابعة لجامعة دمشق إلى أن معايير اختيار الشريك تختلف باختلاف السياقات الاجتماعية، وتتغير مع مرور الزمن، مؤكدة أن الحرب في سوريا كان لها تأثير واضح على أنماط الزواج والبنية الأسرية.
