لجوء بلا طمأنينة: صراع الهوية والاندماج في الاغتراب

“لم يخطر ببالي يوماً أنني سأعيش في واقع لا يشبهني على الإطلاق”، تقول منى، وهي في الثلاثينيات من عمرها، من مدينة المالكية/ديريك، وتقيم منذ أكثر من عشر سنوات في إحدى الدول الأوروبية.

وتضيف: “لطالما تخيّلت أن وصولي إلى أوروبا سيكون بداية لحياة أكثر راحة ورفاهية، لكنني فوجئت بواقع مختلف تمامًا، لم يُحدّثني أحد عنه بشفافية من قبل”.

ترى منى أن سنوات الغربة كانت قاسية، رغم الصورة النمطية التي يختزنها كثيرين/ات عن حياة سهلة في الخارج. وتشير إلى أن هذا الفهم الخاطئ يضاعف من ثقل المعاناة التي تعيشها، هي ومن يشاركونها الظروف ذاتها، موضحةً: “كل شيء هنا مختلف؛ التربية، العادات، وحتى الشعور بالانتماء. يعيش المرء صراعًا داخليًا يصعب تقبّله أو تجاوزه، ولاسيّما حين يحتاج إلى دعم عائلي ولا يجد أحدًا من أحبّائه إلى جانبه”.

وفقًا لتقرير “الاتجاهات العالمية” الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين/ات وطالبي/ات اللجوء السوريين/ات مع نهاية عام 2024 نحو 6.1 مليون شخص، فيما بلغ عدد النازحين/ات داخل سوريا 7.4 مليون، وأشار التقرير إلى أن سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول أعاد الأمل لدى كثيرين/ات بإمكانية العودة، رغم المصاعب التي ما تزال قائمة.

قبل اللجوء وبعده

لم يكن خيار الهجرة بالنسبة لمنى سهلًا، لكنه لم يخلُ من مشاعر مختلطة، وهو ما شكّل لديها أول اضطراب في التفكير، على حدّ قولها: “شعوري بالحزن والسعادة في الوقت نفسه جعلني أعيش حالة تناقض مع ذاتي. كنت أحزن لأنني سأبتعد عن أهلي وبيتي ومدينتي التي كانت جزءًا من طفولتي، وأفرح لأنني كنت أعتقد أن الحياة ستكون أسهل وأفضل وأكثر متعة هناك”.

بعد سنوات طويلة من الدراسة والعمل، هاجرت منى لتلتحق بزوجها، كما هو حال العديد من النساء السوريات. إلا أن بدايتها الجديدة لم تكن خالية من تحديات لم تخطر في بالها يومًا، وتقول: “بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، اعتقدت أنني سأدخل مرحلة من الاستقرار، وأنني سأتمكن من العمل والحصول على راتب يتناسب مع شهادتي، لكنني وجدت نفسي مجبرة على تعلم لغة البلد من الأبجدية، وكأنني طالبة في المرحلة الابتدائية”.

ولا تختلف هذه الصعوبات لدى كبار السن، بل قد تكون أشد. يروي كوركين حبو، وهو في الستين من عمره ويقيم في ألمانيا منذ نحو ثماني سنوات، تجربته مع اللجوء نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في سوريا، وحرصًا على تأمين حياة كريمة ومستقبل أفضل لأبنائه. ويصف قرار الهجرة بأنه من أصعب القرارات التي اتخذها في حياته.

ويقول: “لو كان القرار يخصني وحدي، لبقيت في القامشلي، حتى لو فقدنا كل الخدمات الأساسية.”

وفي دراسةٍ سابقة أجراها المجلس الاتحادي الألماني للمعالجين/ات النفسيين/ات، قُدّر أن نحو نصف اللاجئين/ات السوريين/ات في ألمانيا يعانون/نّ من مشكلات نفسية، إذ أفاد 70% منهم/نّ بتعرضهم/نّ لأحداث عنف، فيما كان 50% منهم/نّ ضحايا مباشرين للعنف.

لكن تجربة كوركين اتخذت منحى مختلفًا؛ إذ شكّل البدء بحياة جديدة في بلد جديد عبئًا نفسيًا لم يعتد عليه، معتبرًا أن البدايات الجديدة تكون أكثر قسوة كلما تقدم العمر، على عكس ما هو الحال لدى الأطفال والشباب. ويضيف: “فور وصولي أصبت بصدمة حقيقية، وعانيت من اكتئاب شديد. وكلما حاولت التخفيف عن نفسي، شعرت بأن الأمور تزداد سوءًا. وحتى اليوم، وبسبب قدومي عن طريق لمّ الشمل، لم أتقدم بطلب لجوء في الدولة التي أقيم فيها”.

وبحسب الأمم المتحدة، يهاجر بعض الأشخاص بحثًا عن العمل أو لأسباب اقتصادية، بينما يهاجر آخرون/أخريات للانضمام إلى أفراد أسرهم/نّ أو لأغراض تعليمية، في حين يُجبر كثيرون/ات على الهجرة هربًا من النزاعات المسلحة، أو الاضطهاد، أو الإرهاب، أو انتهاكات حقوق الإنسان، إضافة إلى تأثيرات تغير المناخ والعوامل البيئية.

رحلة الاندماج في مجتمع جديد

لم تكن حياة منى في سوريا خالية من الشغف والإرادة، وهما أمران تقول إنها افتقدتهما بعد الهجرة، ولا سيما بعد سنوات طويلة كرّستها لتربية أطفالها الثلاثة. وتوضح: “تربية الأطفال هنا مختلفة تمامًا عما اعتدنا عليه. هم يكبرون في محيط مجتمعي مغاير، ما يتطلب جهدًا مضاعفًا للحفاظ على القيم والسلوكيات التي نؤمن بها، دون أن يعني ذلك رفض الآخر، بل تمسكًا بما نراه صحيحًا وبما نشأنا عليه من عادات وتقاليد”.

اختلاف القوانين والعادات المجتمعية، إلى جانب طبيعة التعامل في المجتمع المضيف، الذي وصفته منى بأنه “خالي من الحنان”، شكّل لديها هاجسًا دائمًا بشأن قرار الهجرة. وتقول: “كل شيء هنا متاح، ويمكن فعل أي شيء، على عكس ما تربينا عليه. وحتى لو رفضتُ هذا الواقع ورغبتُ في العودة، فلن يكون الأمر سهلًا؛ فقرار الهجرة كلّفنا الكثير، كما أنني لا أرغب بأن يعيش أطفالي في سوريا التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة. في هذه الحالة، يعيش الإنسان صراعًا دائمًا بين من هو وماذا يريد”.

من جهته، يؤكد كوركين أن الحياة الاجتماعية تكاد تكون معدومة، وأن علاقاتهم/نّ بالمجتمع المحلي محدودة ومحصورة في إطار العمل. ويشير إلى أن المجتمع المضيف بات ينأى بنفسه عن المهاجرين/ات، وأن النظرة تجاههم/نّ أصبحت في كثير من الأحيان نظرة دونية. ويقول: “خمسون عامًا عشتها في بلدي، وكانت علاقتي بجيراني أشبه بعلاقة الإخوة. كنا نتقاسم العمل والمناسبات ونقف إلى جانب بعضنا في كل الظروف. كيف لنا أن نتقبل هذا القدر من البرود هنا؟”.

ورغم محاولاته الجادة للعمل في مجال الهندسة الزراعية، بعد تعديل شهادته والاعتراف بها رسميًا، لم يتمكن كوركين من الحصول على فرصة عمل في اختصاصه. ويضيف: “من أكثر المواقف التي آلمتني أنني، بعد هذا العمر والدراسة والخبرة، لم أجد فرصة مناسبة، واضطررت للعمل في جزّ الأعشاب في الحدائق العامة. الأمر لم يكن انتقاصًا من المهنة بحد ذاتها، بل شعور بالإحباط يرافق كثيرين ممن يمتلكون شهادات علمية ويُجبرون على العمل في مجالات لا تمتّ لتخصصهم بصلة”.

“أحيانًا أشعر بأنني نسيت نفسي ومن أكون”، تضيف منى، “كل ما أفعله هو التركيز على أطفالي وزوجي ومنزلي. أسأل نفسي: أين أنا من كل هذا؟ وهل وضعت نفسي في آخر قائمة الأولويات؟ من يهاجر يعيش حربًا نفسية صامتة لا يراها أحد، وغالبًا لا يستطيع التعبير عنها”.

يضع الميثاق العالمي بشأن اللاجئين/ات على أن القضاء على التمييز، بجميع أشكاله، سواء على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو المعتقد السياسي، يُعدّ من ركائز العمل لضمان التعايش السلمي بين اللاجئين/ات والمجتمعات المضيفة. إلا أن تجربة منى تعكس واقعًا مغايرًا، إذ تقول: “أحرص دائمًا على أن يكون أطفالي مجتهدين في دراستهم، وأن أحميهم من التنمر، وهو أمر شائع هنا، خاصة في المدارس، حيث يُنظر إلى الغريب على أنه مختلف ومعقّد في معتقداته. وحتى بعض البالغين يتصرفون بهذه الطريقة، وكأن كل ما سمعناه عن مبادئ حقوق الإنسان لم يكن سوى شعارات”.

كثيرًا ما دفعت سنوات الاغتراب منى للتساؤل عما كان سيكون عليه حالها لو لم تهاجر: “أفكر كثيرًا: لو لم تندلع الحرب في سوريا، هل كنا سنغادر؟ هل كنا سنعيش هذا البعد والحرمان عن أهلنا وبيتنا الذي كان مصدر الأمان الوحيد؟”. أسئلة تبقى بلا إجابة، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في سوريا، حتى بعد سنوات الحرب الطويلة.

ختاماً

تشكّل تجربة منى وكوركين صورة مصغّرة عن واقع يعيشه ملايين السوريين والسوريات في بلدان اللجوء حول العالم؛ واقع يتقاطع فيه الأمل مع الألم، والحلم مع الخذلان، والسعي المستمر نحو الاستقرار في بيئة لا تشبههم/نّ. وبين محاولات الاندماج والحنين الدائم إلى وطنٍ تغيّر، وربما لم يعد كما كان، يعيش المهاجر/ة السوري/ة صراعًا يوميًا بين ما فُقد وما يُحاول بناءه من جديد. ورغم قسوة التجربة، يبقى التمسك بالأمل، والسعي لحياة أكثر توازنًا وإنسانية، هو ما يمنحهم/نّ القدرة على الاستمرار في رحلة لم يختاروها بالكامل، لكنها أصبحت جزءًا

لا يتجزأ من حكايتهم/نّ.