“كنت أعيش حالة من الرعب بأن تظن والدتي أنني فقدت عذريتي، لذا تحملت الألم والخوف إلى أن كشفتُ أمري,” تقول سوسن (25 عاماً من مدينة ديريك/المالكية)، التي اختارت الحديث عن تجربتها مع أول دورة شهرية، تحت اسم مستعار لدواعٍ مجتمعية، تلك التجربة التي عاشتها وهي في الخامسة عشرة من عمرها.
تعود الخشية من الحديث عن الدورة الشهرية، لأسباب عدة، منها كما أكّد بعض خبراء الأمم المتحدة، المعايير الاجتماعية الثقافية الضارة، والوصم الاجتماعي، والمفاهيم الخاطئة، والمحظورات المستمرة حول الدورة الشهرية، الأمر الذي يسبب، في كثير من الأحيان، استبعاداً وتمييزاً ضد النساء والفتيات.
كما يوضح الخبراء أنّ “وصمة العار والخجل التي تولّدها الصور النمطية حول الدورة الشهرية لها تأثيرات شديدة على جميع جوانب حقوق الإنسان الخاصة بالنساء والفتيات، بما في ذلك حقوقهن الإنسانية في المساواة والصحة والمسكن والماء والصرف الصحي والتعليم والعمل.”
وهو ما بدا واضحاً من خلال ما مرت به سوسن، التي تشير إلى أنها أبقت الأمر سراً، وأصبحت تستخدم قطع القماش دون الالتفات لمدى نظافتها، ثم تخبئها في أماكن سرية، إلى أن كشفتها والدتها وسألتها عنها، حينها لم تتفوه بكلمة، وبدأت بالبكاء.
من جهتها، توضّح الناشطة النسوية واعدة الوهب، أن الوصم المرتبط بالدورة الشهرية، ينتج دوماً عن ضعف المعرفة بالصحة الإنجابية والشخصية، إلى جانب الأعراف المجتمعية والأحكام الدينية التي تؤدي إلى فرض قيود إضافية، ما يعيق حصول النساء على المستلزمات الخاصة بالدورة الشهرية.
ماذا يعني أن تتحول العادة الشهرية إلى وصمة عار؟
في سنّها الصغير، لم تكن سوسن على دراية بماهية الدورة الشهرية، كحال بقية فتيات عائلتها، كما أنها لم تملك المعلومات الكافية حول كيفية التعامل مع هذه الفترة التي ستمر بها دورياً، على العكس من ذلك، فقد تسبب ضعف المعرفة هذا بخلق حالة من الرعب يصعب على طفلة بسنّها معايشتها.
سوسن الآن في الـ 25 من العمر، ولا يزال الحياء من الدورة الشهرية أسلوب حياة بالنسبة لها، تقول: “حتى الآن يعتريني الخجل في كل مرة أمر فيها بفترة الدورة الشهرية، وأكون حريصة بألا يعلم أحد من ذكور العائلة، وأكثر الفترات حرجاً لي في شهر رمضان، حيث أتهرب من الكثير من طقوس هذا الشهر خلال فترة الدورة الشهرية بطريقة خفية حتى لا يلاحظ أحد ذلك.”
في تجربة فتاة أخرى، وفي تجربة أخرى، تقول سارة (29 عاماً)” لم أملك الجرأة الكافية لأخبر أهلي عن الآلام الجسدية التي شعرت بها في بداية بلوغي، كان يعتريني خجلٌ كبير، لم أفهم ما أمر به، وكرهت نفسي دون أن أعلم السبب، وقبل أن أعي أن ما أمرّ به هو أمر طبيعي يحدث لكل فتاة.”
نتائج صحية سيئة للتعامل الخاطئ عند البلوغ
إنّ عدم تعامل الأهل بوعي مع الفتيات في مرحلة البلوغ له آثار مختلفة، جسدية ونفسية واجتماعية، بحسب ما توضحه الاختصاصية بأمراض النساء مروى محمد.
“تتمثل الآثار الجسدية في انغلاق مراكز النمو ما يؤدي بدوره إلى قصر القامة، إلى جانب حدوث اضطرابات هرمونية ستؤدي مستقبلاً إلى عدم انتظام الدورة الشهرية، أو تكيس المبايض وهي من الأمور الشائعة جداً.”
أما عن الجانب النفسي، فإن القلق، فقدان الثقة بالنفس، التوتر والاكتئاب هي من أبرز المشاعر السلبية التي تلاحق الفتيات اللواتي يصلن إلى سن البلوغ دون وعي صحي، حسب ما تؤكده مروى.
وتوضح أنه في بعض المجتمعات بمجرد بلوغ الفتاة يتم التعامل معها على أساس قدرتها على الإنجاب الأمر الذي يؤثر بدوره على الصحة النفسية لديها.
“حتى الآن، دورتي الشهرية غير منتظمة، وأعلم أن السبب يمكن أن يكون اتّباعي لسلوكيات خاطئة في بداية البلوغ، فقد كنت أتألم كثيراً، لكنني خشيت من زيارة طبيبة مختصة، والحديث في الأمر.” تقول سوسن.
وبحسب واعدة، يتم تهميش قضايا النساء والتقليل من أهمية احتياجاتهن المتعلقة بموضوع الدورة الشهرية لأسباب متعددة أهمها سيطرة الذهنية الأبوية على المجتمعات وغياب القوانين المنصفة للمرأة والتي تضمن منع جميع أشكال التمييز ضدها.
الحديث عن الدورة الشهرية سبيل لتجاوز نتائجها السلبية
من المهم أن يتم توعية الفتيات من قبل الأهل حول التغيرات الجسدية التي ستحدث معها في كل مرحلة عمرية، كما يجب تقديم الدعم النفسي لهن من خلال تأكيد أن ما يمررن به من الأمور الطبيعية التي تحدث مع كل فتاة، مع أهمية الحديث معهن عن كيفية الاهتمام بالنظافة الشخصية أثناء الدورة الشهرية، حسب ما توضحه مروى.
في حين ترى واعدة أن الحلول تكمن في وضع قوانين منصفة للنساء تمكنهنّ من الحصول على حقوقهنّ كاملة، وتمنع “تحقير” كل ما يرتبط بها أو بجسدها، كما توضّح أن إدراج التوعية العملية حول الدورة الشهرية في المدارس من شأنه التخفيف من أثر الأعراف والتقاليد..
وتؤكد اليونيسيف أنه يجب أن يدور الحديث حول الدورة الشهرية بشكل علني في المدارس وفي الحياة الخاصة، وأن يتم ذلك بدعم ومشاركة الذكور من أفراد العائلة وفي المجتمع المحليّ ككل.
وتؤكد أيضاً على ضرورة معرفة كل طفلة بماهية الدورة الشهرية وكيف تحدث، حتى تشعر بالأمان وبأن جسمها طبيعيّ، وتعتبر أن الحفاظ على صحة ونظافة الجسم أثناء الدورة الشهرية جزءاً أساسياً من كرامة الطفلات وازدهارهنّ.
بين خوفٍ تعيشه طفلة في غرفتها، وصمتٍ تفرضه الأعراف على جسدها، تتحول الدورة الشهرية من حدثٍ بيولوجي طبيعي إلى تجربة مثقلة بالعار والقلق. قصص سوسن وسارة ليست استثناءً، بل انعكاسٌ لواقع تعيشه آلاف الفتيات اللواتي يدخلن مرحلة البلوغ دون معرفة أو دعم.
وبينما لا يزال الصمت يحيط بهذه المرحلة، يبقى كسره الخطوة الأولى نحو حماية الفتيات من آثارٍ نفسية وجسدية قد ترافقهن لسنوات، فالتوعية لا تعني فقط نقل المعرفة، بل استعادة الطمأنينة، وإعادة تعريف الجسد كمساحة آمنة لا تستدعي الخجل.
