تحرير الدولار .. هل ينعش الاقتصاد السوري أم يكشف أزماته؟

شهدت سوريا خلال الفترة الماضية تطورات اقتصادية متسارعة، وارتفعت الآمال بإمكانية تحسن الواقع المعيشي مع السماح بتداول الدولار بشكل علني وما رافقه من توقعات بانخفاض أسعار السلع وتحسن سعر الصرف. 

إلا أن الواقع لم يشهد تغيرات ملموسة، ما أعاد طرح تساؤلات حول جدوى هذه الخطوة وحدود تأثيرها في اقتصاد يصعب توصيف طبيعته بدقة في ظل الأزمات المتراكمة.

وفي موازاة ذلك، دخل مشروع القانون الضريبي الجديد حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي 2026، بعد الإعلان عنه في تموز/يوليو من عام 2025، بوصفه بديلاً عن النظام الضريبي المجزأ الذي كان معمولاً به خلال السنوات السابقة.

ويقوم المشروع على مدونة ضريبية موحدة تعتمد معدلات ونهجاً موحداً للتعامل مع الدخل، مع إعفاءات مرتفعة، كما ألغى نظام الجداول المعتمد بموجب القانون رقم 24 لعام 2003، والذي كان يفصل بين الأجور وأرباح الأعمال والدخل الرأسمالي في فئات مستقلة، ليجمع جميع مصادر صافي الدخل ضمن إطار واحد.

ضرائب مرتفعة وتشجيع غير مباشر على التهريب

يرى الصناعي محمد حسن، المستورد لبطاريات وألواح الطاقة الشمسية، أن المشكلة لا تكمن في السماح بتداول العملات الأجنبية بحد ذاته، موضحاً أن التجار كانوا يتعاملون سابقاً بالليرة السورية وفق قيمة الدولار، في ظل وجود سعرين للصرف؛ أحدهما رسمي يحدده المصرف المركزي والآخر هو السعر الحقيقي في السوق.

ويشير محمد إلى أن الإشكاليات الأكبر اليوم تتعلق بالقانون الضريبي الجديد، الذي يتعامل – بحسب وصفه – مع حجم المواد المستوردة أكثر من طبيعتها ونوعها، ما يخلق ثغرات عديدة في التطبيق.

ويضيف أن كثيراً من التجار والمستوردين باتوا يلجؤون إلى التهريب لإدخال بضائعهم، إذ يمكن أن تصل الرسوم الضريبية النظامية إلى نحو 15 ألف دولار على بعض السلع، بينما يستطيع بعضهم إدخال البضائع بطرق غير نظامية مقابل تكاليف أقل بكثير.

كما يلفت إلى أن السوق يشهد حالة من الإغراق بالمنتجات المستوردة، الأمر الذي انعكس سلباً على المنتج الوطني، ودفع عدداً من التجار والصناعيين إلى العزوف عن الاستثمار، بعدما أصبحت كلفة الإنتاج المحلي أعلى من كلفة المنتجات المستوردة.

هل يرتبط إنعاش الاقتصاد بتحرير الدولار؟

يؤكد الخبير والباحث في الشؤون الاقتصادية مدين عبد الكريم أن ارتفاع سعر صرف الدولار في سوريا يرتبط أساساً بندرة الإنتاج وتراجع النشاط الصناعي بشكل كبير، إضافة إلى زيادة الاعتماد على المستوردات، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على الدولار ودفع سعره إلى مستويات أعلى من المتوقع.

ويصف مدين السوق السورية بأنها تفتقر إلى التنظيم والبيئة التنافسية الواضحة، مشيراً إلى غياب القوانين الناظمة وإهمال القطاع الزراعي، الذي يشكل أولوية اقتصادية لا تقل أهمية عن الاستثمار، ويحتاج بدوره إلى تشريعات أكثر وضوحاً وشفافية.

ويعتبر أن إنعاش الاقتصاد والاستثمار لا يرتبط بتحرير الدولار أو تسهيل تداوله بشكل علني، موضحاً أن توحيد آليات التعامل بالعملة الأجنبية بين المناطق السورية لم ينعكس على الواقع الاقتصادي كما كان متوقعاً.

ويستشهد بحالة مناطق شمال شرقي سوريا، حيث كان الدولار متداولاً بشكل أوسع مقارنة بمناطق أخرى، مؤكداً أن الواقع الاقتصادي لم يشهد تحسناً ملموساً، بل ارتفع سعر الصرف متأثراً بالأحداث التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

ويضيف أن ما تغير فعلياً هو تركز الثروات بيد فئات محددة، في وقت بقيت فيه الأجور والرواتب شبه ثابتة، ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخل والأسعار.

ويحذر مدين من أن الخطر الأكبر يتمثل في عجز كثير من التجار وأصحاب رؤوس الأموال عن حماية استثماراتهم في ظل غياب المنافسة المتكافئة وانتشار الاحتكار وإغراق الأسواق بمنتجات منخفضة السعر والجودة.

كما يشير إلى أن اعتماد السوق على الاستيراد تزايد بالتزامن مع تراجع الإنتاج المحلي بعد رفع الدعم، وعدم قدرة كثير من الصناعيين الصغار على مواكبة ارتفاع التكاليف، الأمر الذي أدى إلى إغلاق عدد من المنشآت الإنتاجية وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب تراجع حضور المنتج الوطني في الأسواق المحلية وغيابه عن أسواق التصدير.

ويرى أن هذه العوامل أسهمت في زيادة معدلات التضخم واتساع الفجوة بين مستويات الدخل والأسعار، معتبراً أن رفع الدعم جاء دون وجود سياسات وقوانين ناظمة قادرة على الحد من الآثار السلبية المترتبة عليه.

الصناعات الصغيرة تواجه التحديات نفسها

ولم تكن المنشآت الصناعية الصغيرة بمنأى عن هذه التحديات. إلهام (اسم مستعار)، صاحبة معملٍ لمواد التنظيف مُرخَّصٍ منذ عام 2018 في دمشق، تؤكد أن القانون الضريبي الجديد فرض عليها أعباء إضافية رغم اعتمادها بشكل أساسي على موارد طبيعية محلية بدلاً من المواد المستوردة.

وتوضح أنها تعتمد على التسويق الإلكتروني وبيع منتجاتها بالجملة والمفرق لتخفيف التكاليف، إلا أن رفع الدعم عن الكهرباء وارتفاع تكاليف النقل المرتبطة بأسعار الوقود أدّيا إلى زيادة أسعار منتجاتها بشكل كبير.

وتضيف أن تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين/ات جعل من الصعب مواكبة ارتفاع الأسعار، في ظل غياب إجراءات حقيقية لدعم المنتج الوطني أو تقديم تسهيلات تساعد المنشآت الصغيرة على الاستمرار.

وفي حديثه عن الحلول الممكنة، يؤكد مدين أن الأولوية لا تكمن في تقديم إعفاءات ضريبية فقط، بل في وضع سياسات مدروسة لإدارة عملية رفع الدعم، ولاسيما في القطاعات الإنتاجية والصناعية التي تمثل قطاعات ربحية وأساسية للاقتصاد..

كما يشدد على ضرورة توجيه الاهتمام نحو القطاع الزراعي، باعتباره أحد أعمدة الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، مؤكداً أن دعم الفلاح يجب أن يشمل توفير الأسمدة والبذار والتسويق والنقل والتخزين.

ويرى أن تمكين القطاع الزراعي من تلبية احتياجات السوق المحلية أولاً سيفتح المجال لاحقاً للتصدير وتعزيز الميزان التجاري، بالتوازي مع دعم المنشآت الصناعية الإنتاجية بوصفها شريكاً أساسياً في أي عملية تعافٍ اقتصادي محتملة.