“كانت أجرة الطريق تكلفني 20 ألف ليرة سورية يومياً، أما اليوم فأحتاج إلى 65 ألف ليرة للوصول إلى الجامعة والعودة منها”. بهذه الكلمات تختصر ناديا (اسم مستعار)، وهي طالبة جامعية من مدينة قامشلي تدرس في السنة الثالثة بإحدى جامعات مدينة الحسكة، جانباً من تداعيات أزمة المحروقات التي تشهدها محافظة حسكة منذ أيام، والتي انعكست على مختلف تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
وتقول ناديا إنها كانت تحمل معها نحو 50 ألف ليرة سورية يومياً عندما كانت أجرة النقل بين قامشلي وحسكة 10 آلاف ليرة للاتجاه الواحد، أي 20 ألف ليرة ذهاباً وإياباً، فيما كانت أجرة السرفيس داخل المدن 2000 ليرة سورية. ومع ارتفاع الأجور لاحقاً إلى 15 ألف ليرة للاتجاه الواحد و3000 ليرة للسرفيس، باتت تحتاج إلى 60 ألف ليرة يومياً.
لكن الصدمة الأكبر، بحسب وصفها، جاءت عندما ارتفعت أجرة النقل بين قامشلي وحسكة إلى 25 ألف ليرة للاتجاه الواحد، أي 50 ألف ليرة ذهاباً وإياباً، بينما ارتفعت أجرة السرفيس إلى 5000 ليرة سورية، ما رفع تكلفة الطريق وحدها إلى 65 ألف ليرة يومياً.
وتضيف: “هذا المبلغ لا يشمل ثمن فطيرة أو قنينة ماء أو حتى شراء محاضرة جامعية، لذلك توصلنا في النهاية كعائلة إلى قرار إيقاف دراستي الجامعية مؤقتاً إلى أن تنتهي الأزمة أو تصبح الأسعار مناسبة لدخل عائلتي”.
النقل تحت الضغط.. السائقون يرفعون الأجور لمواجهة ارتفاع تكاليف الوقود
لم تقتصر تداعيات الأزمة على الطلاب، بل طالت العاملين في قطاع النقل أيضاً، يقول جوان محمد، وهو سائق سيارة أجرة في مدينة قامشلي، إن السائقين كانوا يحصلون على 75 لتراً من البنزين أسبوعياً، إلا أن نوعيته كانت سيئة وتسببت بأعطال متكررة في السيارات.
ويضيف أن المشكلة اليوم لم تعد تتعلق فقط بجودة الوقود، بل بسعره أيضاً، موضحاً أن السائق الذي يحقق دخلاً يومياً يبلغ نحو 200 ألف ليرة سورية كان يستطيع العمل وفق التسعيرة السابقة للمحروقات، بينما الآن بات مضطراً لتخصيص أكثر من 150 ألف ليرة يومياً من دخله لتغطية تكلفة البنزين.
ويتابع أن الكميات المخصصة لا تكفي احتياجات العمل، ما يضطر السائقين إلى شراء البنزين السوري الأعلى جودة وبأسعار إضافية، فضلاً عن تكاليف الصيانة المتكررة، ويشير إلى أن الكثير من السائقين يضطرون لتغيير “غطاس” السيارة كل أسبوع أو عشرة أيام نتيجة رداءة الوقود، وتبلغ تكلفة القطعة الواحدة نحو 10 دولارات أمريكية.
ويقول: “نحتاج إلى ما يقارب مليون ليرة سورية كل أسبوع أو عشرة أيام لتغطية الأعطال والصيانة، ولم تعد المعيشة ممكنة بهذا الشكل”. كما يلفت إلى أن السائقين كانوا خلال الأزمات السابقة يخففون الأجور على العائلات ذات الدخل المحدود أو يطلبون مبالغ رمزية، إلا أن الظروف الحالية تجعل ذلك أكثر صعوبة.
وبحسب جوان، فإن أجرة النقل الخاص إلى مدينة عامودا كانت تبلغ نحو 200 ألف ليرة سورية للسيارة الخاصة، لكنها لن تقل حالياً عن 300 ألف ليرة سورية، فيما ارتفعت أجور بقية الخطوط بنسب مماثلة.
من الخبز إلى الكهرباء.. أزمة تطال مختلف جوانب الحياة
تقول جوليا (اسم مستعار) من مدينة قامشلي إن تداعيات الأزمة أصبحت واضحة في حركة التنقل بين المدن، مشيرة إلى أن والدها توجه إلى كراجات الصناعة للسفر إلى تربه سبيه/القحطانية، ليُبلغ بأن سيارة واحدة فقط ما زالت تعمل على الخط، وأن العودة إلى قامشلي قد تكون صعبة بسبب عدم توفر المازوت.
وتطالب بتأمين المحروقات وعدم رفع أسعارها، معتبرة أن ارتفاع سعر المازوت ينعكس مباشرة على أسعار مختلف المواد الأساسية التي تحتاجها الأسر.
في سوق مدينة قامشلي، يقول رافع إسماعيل، صاحب محل لبيع الإكسسوارات، إن الأزمة رفعت مصاريف الكهرباء وأجور النقل في آن واحد، ويضيف أنه لم يعد قادراً على تشغيل الإنارة في محله بالشكل المطلوب، بينما يطالب العاملان لديه بزيادة رواتبهما نتيجة ارتفاع تكاليف التنقل.
ويشير إلى أن العمل في الأسواق يشهد حالة من الركود، في وقت لا تشكل فيه الكهرباء النظامية بديلاً يمكن الاعتماد عليه، كما أن منظومة الطاقة الشمسية التي كلفته أكثر من 2000 دولار أمريكي لا تغطي كامل احتياجاته اليومية.
أما في مدينة ديريك/المالكية، فيرى مأمون الديرشوي أن أزمة المازوت انعكست على مختلف القطاعات، بدءاً من الخبز والخضار وصولاً إلى النقل والكهرباء.
ويقول إن مولدات الأمبيرات الخدمية التي كانت تؤمّن الكهرباء لمدة ثماني ساعات توقفت عن العمل نتيجة فقدان مخصصاتها من المازوت، فيما أصبحت اشتراكات المولدات التي توفر الكهرباء لـ16 أو 24 ساعة مرتفعة جداً بالنسبة للكثير من الأهالي.
ويضيف أن شركات النقل الجماعي ضاعفت أجورها بنسبة 100% تقريباً، بينما بقيت الرواتب على حالها، متسائلاً: “ماذا يمكن لراتب يبلغ مليوناً و300 ألف ليرة سورية أن يفعل وسط هذه الأسعار؟”. كما يحذر من تداعيات الأزمة خلال فصل الشتاء، إذ قد يتجاوز سعر برميل المازوت المخصص للتدفئة 150 دولاراً أمريكياً، ما قد يحرم شريحة واسعة من الأسر من التدفئة.
احتجاجات شعبية ومطالب بحلول عاجلة
وبدأت الأزمة بالظهور خلال الأيام الماضية مع توقف عدد من مولدات الأمبيرات في مدن عدة، بينها قامشلي وحسكة، بعد إعلان أصحابها عدم استلام مخصصاتهم من المازوت الخدمي، بالتزامن مع ندرة توفر المازوت الحر في محطات الوقود.
كما ارتفعت أجور النقل بين مدن المحافظة بشكل غير مسبوق، إذ وصلت إلى 20 ألف ليرة سورية بين قامشلي وعامودا، و25 ألف ليرة بين قامشلي والحسكة، و35 ألف ليرة بين قامشلي وديريك/المالكية، فيما توقف عدد من السائقين عن العمل احتجاجاً على الأزمة.
وفي سياق متصل، أعلن أصحاب الأفران السياحية توقفهم عن العمل احتجاجاً على ارتفاع تكاليف الإنتاج بعد زيادة سعر لتر المازوت من 0.55 دولار إلى 0.75 دولار، ما أدى إلى رفع سعر ربطة الخبز السياحي إلى 6000 ليرة سورية مع خفض وزنها من 600 غرام إلى 500 غرام.
وأمام هذه التطورات، خرج أهالي مدينة قامشلي في احتجاجات واعتصامات للمطالبة بإيجاد حلول عاجلة وتأمين المحروقات بأسعار تتناسب مع مستويات الدخل المحلية.
ختاماً، تكشف شهادات الأهالي أن أزمة المحروقات الحالية لم تعد تقتصر على نقص مادة الوقود أو ارتفاع سعرها، بل تحولت إلى أزمة معيشية شاملة تهدد قدرة الطلاب على متابعة تعليمهم، وتضع السائقين وأصحاب الأعمال أمام أعباء متزايدة، بينما تمتد آثارها إلى أسعار الخبز والكهرباء والنقل.
وبينما تتواصل الاحتجاجات الشعبية المطالبة بحلول عاجلة، يبقى السؤال الأبرز لدى السكان: كيف يمكن الاستمرار في مواجهة هذه التكاليف المتصاعدة في ظل دخل لم يشهد أي زيادة تواكب حجم الغلاء؟
