ممارسات زراعية متوارثة .. باتت مهدداً لتربة شمال شرقي سوريا

على الرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها يوسف علي (47 عاماً من ريف مدينة ديريك/المالكية) للاهتمام بأرضه الزراعية، والتي تبلغ مساحتها 100 دونماً، إلا أنّ التراجع في إنتاج أرضه بات ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، إضافةً إلى تدهور التربة، ويُبدي استغرابه من الأمر موضحاً أنه يسلك ذات الإجراءات التي يتّبعها مزارعو المنطقة منذ سنوات طويلة.

يعتمد يوسف على استخدام المبيدات الكيميائية، والأسمدة المتوفرة في الأسواق، مثل (الآزوتي والفوسفوري)، كما يقوم بحرق المخلّفات الزراعية بعد الحصاد، وذلك لتسهيل الزراعة في الموسم الذي يليه، ويقول إنّ مشكلة تدهور التربة لا تقتصر على أرضه فقط، إنما تربة المنطقة بشكل عام تتجه نحو التدهور نتيجة الاعتماد على زراعة أنواع محددة من المحاصيل دون تنويعها.

أمّا صالح محمد (63 عام من قرية روباريا بريف مدينة ديريك/المالكية)، فإنّه يمتلك 50 دونماً من الأراضي الزراعية، يزرع منها ثلاثين دونماً سنوياً، ويترك العشرين المتبقية أرضاً بوراً، يصف تربة أرضه بالـ”متحجّرة”، ومن الصعب التعامل معها، وعلى الرغم من ذلك، فإنه يعتمد بشكل رئيسي على زراعة القمح والشعير، علماً أن استخدامه للأسمدة العضوية والكيميائية لم تعد تجدي نفعاً نتيجةً لتآكل التربة وتحجّرها.

ولا يختلف الحال بالنسبة لعامر بللو (42 عام من ريف تربه سبيه/القحطانية)، حيث يلجأ هو الآخر لزراعة أنواع محددة من المحاصيل، ويقول: “أملك 150 دونماً من الأراضي الزراعية، وأقوم بزراعة القمح والشعير بشكلٍ رئيسي، حيث يُعتبر المحصولان هما الأنسب لمناخ وطبيعة المنطقة.” مشيراً إلى أنّ خصوبة التربة في تراجع مستمر، وترافقها تغيّر في لون التربة، مع وجود ضعف عام في الأرض، وهو السبب الرئيسي لتراجع المحاصيل، من وجهة نظره.

أساليب زراعية معتمدة، تُنذر بنتائج كارثية على المدى الطويل

“لا أقوم بتحريك التربة أو تجريفها لأنه ما من فائدة من ذلك في ظل الظروف الحالية.” يقول عامر ويضيف عن أبرز السلوكيات التي يعتمدها في الزراعة “نحن لا نملك الوسائل التي تساعدنا للقيام بعمل زراعي صديق للتربة، ولا يمكننا ترك الأرض دون زراعة لمدة عام لأنها تعتبر مصدراً وحيداً لرزقنا.”

يعتمد عامر على الأسمدة الترابية (يوريا)، والأسمدة الربيعية (سوبر 46)، وعلى الرغم من أن قلةً قليلة من المزارعين يستخدمون الأسمدة العضوية المشتقة من روث الحيوانات في السنوات الأخيرة، إلا أنّ تكلفة نقلها واستخدامها مرتفعة للغاية، ما جعلها خياراً يصعب على عامر اللجوء إليه.

إنّ الزراعة التقليدية في مناطق شمال شرقي سوريا، تواجه العديد من التحديات التي تؤثّر سلباً على خصوبة التربة والإنتاج الزراعي، بحسب ما يوضّحه عبد الكافي ذياب المهندس الزراعي من مدينة الرقة، ويوضّح أن الحراثة السطحية تسبّب تصلّب التربة، ما يؤدّي إلى ضعف امتصاصها للماء، وانخفاض نفاذيتها، ما ينعكس سلباً على إنتاج المحاصيل.

ويشير عبد الكافي إلى أنّ اعتماد المزارعين على أسلوب الري بالغمر يصل إلى (90%)، حيث يؤدّي الإفراط في استخدام المياه إلى غسل التربة، وزيادة ملوحتها، وانجرافها، الأمر الذي يشكّل تهديداً لخصوبتها.

ولا يقتصر الأمر على طرق الري فقط في التأثير على التربة، حيث يرى عبد الكافي أن الحرق التقليدي للتربة المتّبع في المنطقة، يقضي على الكائنات النافعة، مثل البكتيريا والديدان، ويحرق المواد العضوية، بعكس الأساليب المتّبعة في الدول الأوروبية والتي تساهم في تحسين التربة، ويضيف أن زراعة الذرة الصفراء، التي تستهلك كميات كبيرة من العناصر الغذائية والمياه، تستنزف التربة، وتزيد من ملوحتها.

من جهتها، تشير دلجين يوسف المختصة بعلوم التربة، والعضوة في فريق Green NES، إلى أنّ عوامل عدّة تهدّد صحة التربة الزراعية في مختلف مناطق شمال شرقي سوريا، منها الإجهاد الزراعي نتيجة الزراعة المتكررة، والتلوث النفطي، حيث يؤدي تسرب مخلفات النفط إلى تلويث الأراضي الزراعية بالعناصر الثقيلة، مما يجعلها غير صالحة للزراعة، إلى جانب رمي القمامة عشوائياً الذي يؤدي إلى تراكم عناصر ضارة مثل الألمنيوم في التربة، مما يفاقم المشكلة ويؤثر سلباً على المياه الجوفية أيضاً، وتضيف دلجين أن المشكلات التي تواجه التربة في المنطقة نتيجة القصف المتكرر، وضعف الوعي الزراعي، واستخدام أساليب بدائية وتقليدية متوارثة تؤثر سلباً على خصوبتها.

عوامل عدة تعزّز الممارسات غير الصديقة للتربة

أحمد سلو، مهندس زراعي من مدينة الدرباسية، يشير إلى أن العديد من الممارسات الزراعية في المنطقة تتبع سلوكيات ضارة تؤثر بشكل كبير على صحة التربة. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها المزارعون، بالإضافة إلى نقص المعرفة الزراعية لدى البعض منهم، ويرى أحمد أن الارتفاع الكبير في تكاليف الزراعة مقارنةً بالسنوات الماضية، يدفع الكثير من المزارعين إلى اتخاذ تدابير اقتصادية تقليدية للتوفير، مما يؤدي إلى تدهور التربة.

أساليب زراعية معتمدة، تُنذر بنتائج كارثية على المدى الطويل

إنّ ملوحة التربة، نتيجة الاستخدام المفرط للأسمدة الكيميائية، وتلوّثها بالنفط، من أبرز التحديات التي تواجه الواقع الزراعي في المنطقة، بحسب ما توضّحه بيريفان محمد (رئيسة مركز البحوث العلمية الزراعية للابتكار والتميّز)، كل ذلك إلى جانب قلوية التربة، واستخدام المياه المالحة في الري، وترى بيريفان أنه على الرغم من هذه التحديات، فإنّ مزارعي المنطقة لا يقومون بإجراء أية تحاليل دورية للتربة، نظراً لضعف الإمكانيات وعدم القدرة على استقدام خبراء وخبيرات للقيام بهذه التحاليل.

“تحتاج أرضي إلى فلاحة عميقة، ولكن للأسف لا أستطيع إجراء تحاليل دورية لمعرفة حال التربة، لأننا لا نملك الأدوات اللازمة أو حتى المعرفة الكافية حول كيفية إجراء هذه التحاليل.” يقول صالح محمد، ويضيف أنه على الرغم من محاولاته لتحسين التربة، فإنّه لا يرى أي تغيير إيجابي نتيجةً لاستخدام الأسمدة المتاحة في الأسواق، عوضاً عن الأسمدة العضوية.

عامر بللو أيضاً لا يقوم بأية إجراءات من شأنها توضيح ما تعانيه تربة أرضه الزراعية، في ظل غياب الإمكانيات من كافة الجوانب، لذا فإنه يكتفي بتطبيق ما تعلمه خلال تجربته في الزراعة، مؤكداً أنه لم يسبق أن حظي بأي دعم أو توجيه من الجهات المعنية حول الطرق الأكثر فاعلية في تحسين التربة.

ويعزو فيصل حليمة (مزارع ومهندس زراعي) من مدينة عامودا، سبب لجوئه وبقية مزارعي المنطقة للحراثة السطحية نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف عملية تحضير التربة، موضحاً أنه رغم هذه الصعوبات، يواصل العمل على زراعة الأرض بأفضل الطرق المتاحة، ملتزمًا بالدورة الزراعية، ولكن تبقى التحديات الاقتصادية والارتفاع المستمر لأسعار المعدات والأسمدة حاجزًا أمام تحسين صحة التربة وجودة الإنتاج الزراعي بشكل كامل.

سلوكيات كثيرة لا بدّ من اتّباعها لتحسين التربة في شمال شرقي سوريا

يطرح فريق green nes المحلي والمهتم بالبيئة، هذه القضايا ويهدف إلى زيادة وعي المزارعين وسكان/ساكنات المنطقة بخطورة هذه السلوكيات غير المدروسة وتأثيراتها طويلة الأمد على التربة، وبحسب ما توضحه المهندسة دلجين فإن الفريق سيعمل قريباً على تنفيذ مبادرات عملية لتمكين المزارعين من فهم خطورة هذه المشكلات وتداعياتها على الزراعة، مع التركيز على نشر ثقافة تحليل التربة لتقليل الإسراف في استخدام الأسمدة الكيميائية، حيث يمكن أن تؤدي الزيادة المفرطة في استخدامها إلى نتائج عكسية على التربة.

“ستتضمن المبادرة مستقبلاً مشاريع هادفة مثل تصنيع السماد العضوي (الكمبوست) من القمامة، والترويج لتحليل التربة لمعرفة العناصر التي تحتاجها وتحديد نسب الأسمدة المناسبة لكل نوع من أنواع التربة،” تقول دلجين وتضيف: “يواجه الفريق تحدياتٍ كبيرة، أهمها تغيير الأفكار التقليدية والأساليب الموروثة في الزراعة، ومع ذلك فإنه يسعى لإيجاد خطط مستقبلية طموحة لحماية التربة من الضياع، من خلال تعزيز وعي المزارعين وتشجيعهم على اتباع دورات زراعية سليمة، وتبني أساليب زراعية مستدامة للحفاظ على صحة التربة وزيادة إنتاجيتها.”

وفيما يتعلق بالحلول، يوصي المهندس عبد الكافي، بأهمية تبني تقنيات الزراعة المستدامة، مثل الفِلاحة العميقة باستخدام الـ “ريبر” (وهي نوع من المحاريث، لحرث التربة على أعماق أكبر من المعتاد. تساعد هذه العملية في تهوية التربة، وتحسين تصريف المياه، وتقليل تراكم الأملاح والمواد الضارة في الطبقات السطحية)، بالإضافة إلى إجراء تحليل دوري للتربة مرة كل سنتين، وذلك لتحديد احتياجاتها من الأسمدة، كما يدعو عبد الكافي إلى استخدام الأسمدة العضوية بدلاً من الكيميائية، واعتماد تقنيات الري الحديث لترشيد استخدام المياه والأسمدة.

ويشير عبد الكافي إلى أن المراكز الزراعية والمنظمات المحلية بحاجة إلى تعزيز دورها في دعم المزارعين ببرامج عملية ومستدامة، مطالبًا بزيادة وعي المزارعين حول أهمية الالتزام بهذه الحلول والانتظار لتحقيق نتائج إيجابية على المدى البعيد.

من جانبه يوصي أحمد سلو بضرورة اتّباع بعض الإجراءات التصحيحية لتحسين الوضع الزراعي، وذلك من خلال أخذ عينات من المبيدات المستوردة وفحصها في مخابر متخصصة للتأكد من جودتها ومدى تأثيرها على المحاصيل والتربة، كما يجب أن يتم توزيع هذه المبيدات بعد تجريبها في المزارع المحلية لضمان سلامتها وفعاليتها.

وتتحدث بيريڤان عن ضرورة دراسة الأصناف المحلية والمحاصيل المدخلة في مناطق الاستقرار الزراعي، بهدف تحديد مدى ملاءمة هذه المحاصيل مع ظروف التربة والمناخ المحلي، كما تشير إلى أن المركز يعمل على التنسيق مع الوحدات الإرشادية في المنطقة لتزويد المزارعين بالمعلومات اللازمة وتوجيههم نحو أساليب الزراعة المستدامة.، ورغم الجهود المبذولة، تشير بيريفان إلى أنه لا يوجد تعاون فعلي مع المنظمات الدولية أو المؤسسات الخارجية لحل مشاكل التربة في المنطقة بشكل مستدام.