أربعة أشهر بلا رواتب.. صبر المعلمين/ات على المحك

“كانت ابنتي تنتظر عيد ميلادها بحماس، لكنها لم تحصل على قالب كعك للاحتفال، حاولتُ أن أشرح لها، لكنها صغيرة، لم تفهم لمَ لمْ نحتفل كما في السنوات الماضية. شعرت بالعجز كأم، كيف يمكن أن يكون أبسط شيء حلماً بعيد المنال؟” تقول نجوى محمد، معلمة من قامشلي، وهي تحاول أن تخفي دموعها، وهي تتحدث عن معاناتها إثر انقطاع الرواتب الشهرية منذ ما يقارب أربعة أشهر. 

بعد التغييرات الجذرية التي شهدتها سوريا في أعقاب سقوط النظام السوري السابق كانون الأول عام 2024، دخلت البلاد مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، ومع تشكيل حكومة مؤقتة لإدارة البلاد، برزت تحديات عديدة، كان أبرزها التأخير في صرف رواتب الموظفين/ات في القطاعات الحكومية، ورغم البدء بتوزيع الرواتب في بعض المناطق السورية، وتلقي موظفي قطاعات معينة في شمال شرقي سوريا مستحقاتهم/نّ وفق مصادر مطّلعة، فإن المعلمين/ات في شمال شرقي سوريا يزالون في انتظار رواتبهم/نّ دون أية أفق واضحة لحل أزمتهم/نّ، مما ألقى بظلال قاتمة على حياتهم المعيشية.

“لم يكن الراتب الذي يبلغ 600 ألف ليرة سورية (ما يقارب 58 دولار أمريكي وفق سعر الصرف الحالي) ذا قيمة كبيرة، لكنه كان يساعدني وزوجي في تأمين متطلبات الحياة الأساسية، أما الآن، فإننا خفّضنا مصاريفنا للحد الأدنى، ولكن كيف نواجه عيد الفطر القادم وما يترتب عليه من مصاريف إضافية؟.” تكمل نجوى بقلق واضح.

رواتب غائبة .. ومعارك لتدبير الاحتياجات الرئيسية

عدنان سليمان، معلم متقاعد يعاني من شلل رباعي، ويقيم في مدينة قامشلي، يوضّح أنه يعيش معاناةً حقيقية بعد انقطاع الرواتب الشهري، حيث بات يقترض المال لشراء أدويته.

“أتصل بصديق، أطلب منه المال، فقط لأشتري دوائي، هذا ما أصبحت عليه حياتي. عملت معلماً منذ عام 2005، واليوم لا أملك حتى ثمن العلاج الذي يبقيني على قيد الحياة.” يقول عدنان بحزن.

كان عدنان يتقاضى راتباً يبلغ 300 ألف ليرة سورية (ما يقارب من 30 دولار أمريكي حسب سعر الصرف الحالي)، هذا الراتب الذي كان بالكاد يكفيه، لكنه حُرم منه، وبات بلا أي مدخول، الأمر الذي دفعه إلى الاعتماد على الاستدانة في الوقت الذي فقد فيه الأمل بوجود أيّة حلول لهذه الأزمة. 

كفاء الملا، معلمة أخرى من قامشلي، كانت تشتري أدوية لوالدتها، أما اليوم فهي تنتظر أن يساعدها أحد أفراد عائلتها، تقول: “كنت أذهب إلى الصيدلية وأشتري لها الدواء كأمر مسلّم به، لم أتصور أن يأتي يوم أقف فيه عاجزة، أنتظر أن يشتريه لها أخي، اليوم بتّ أشعر بأنني فقدت استقلالي، فقدت حتى قدرتي على العناية بمن أحب،” تقول كفاء التي كان يبلغ راتبها 500 ألف ليرة سورية (ما يقارب 49 دولار أمريكي وفق سعر الصرف الحالي)، الذي كان يغطي مصاريفها ويساعد في علاج والدتها، لم يعد موجوداً، واليوم، باتت كفاء تعتمد كلياً على عائلتها، غير قادرة على تأمين أبسط نفقاتها الشخصية.

أما بالنسبة لبراءة السعيد، معلمة لغة عربية في مدينة قامشلي، كانت الدروس الخصوصية طوق نجاة يساعدها على تجاوز ضعف الراتب. لكنها اليوم تجد نفسها في مأزق، وتقول: “لم يبقَ لدي سوى بضع طلاب، حتى هذا الدخل بدأ يختفي، كنت أدرّس في المدرسة وأقدم دروساً خصوصية، وكان دخلي يكفيني ويوفر حياة كريمة لأطفالي، أما الآن، فتوقف أغلب طلاب المراحل الانتقالية عن استكمال الدورات الخصوصية بسبب التخبط في قرارات التعليم، ولم يبقَ معي سوى طلاب الشهادات.”

ومع تراجع الطلب على الدروس الخصوصية، أصبح توفير احتياجات أطفالها الثلاثة لبراءة أمراً يفوق طاقتها، خاصة مع حلول رمضان والعيد وما يرافقهما من مصاريف إضافية.

المعلمون/ات يتجهون إلى مهنٍ أخرى لتأمين لقمة العيش

“أعمل على سيارة أجرة لتأمين احتياجات أبنائي، لدي ولدان في الجامعة، ومصاريفهم لا تنتظر، لذا لم يكن لدي خيار سوى البحث عن أي عمل بعد انقطاع راتبي.” يقول أحمد عيد، معلم في مدينة قامشلي.

بعد سنوات طويلة من الدراسة والعمل، يجد أحمد نفسه يتساءل: “هل كنت سأكون في حالٍ أفضل لو تعلمت حرفة بدلًا من قضاء عمري في التعليم؟ ربما كان ذلك أنفع لي ولعائلتي، على الأقل كنت سأجد عملاً يحترم جهدي.”

من جهتها ترى الناشطة المدنية رانيا الحسن من مدينة الرقة أن انقطاع الرواتب دون وجود آليات للحل، فإنه يفاقم من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة من سنواتٍ طويلة، وتُضعف القوة الشرائية، وتدفع بالناس للاستدانة أو البحث عن بدائل غير مستقرة، وبالتالي فإن الأوضاع المعيشية في طريقها إلى تفاقمٍ أكبر. 

وتؤكّد رانيا أن مناصرة هذه القضية يجب أن تكون في سلّم أولويات الجميع، وذلك للضغط من أجل إيجاد حلول سريعة لهذه الأزمة، وضمان عدم تأثر دخل الأهالي بالتعقيدات السياسية، وذلك انطلاقاً من مبدأ أن الاستقرار الاقتصادي هو حجر الأساس لمستقبلٍ مستدام في البلاد. 

في الوقت الذي استلم فيه موظفو/ات قطاعات أخرى في شمال شرقي سوريا مثل المياه والمصارف رواتبهم/نّ بعد ثلاثة أشهر من الانقطاع، لا يزال المعلمون/ات ينتظرون وعوداً تتحول لإشاعات، دون وجود تحرّك فعلي لحل هذه الأزمة حتى الآن. 

وعلى الرغم من المحاولات الكثيرة التي قام بها فريق المنصة، فإن الفريق لم يتمكن من الحصول على أي تصريحٍ أو توضيح من الجهات المعنية في دمشق، حول أزمة عدم صرف الرواتب في مناطق شمال شرقي سوريا، أو أية آليات لحل هذه الأزمة، ليبقى سؤال هؤلاء الرئيسي حول الوقت الذي سيحصلون فيه على رواتبهن/نّ دون جوابٍ حتى الآن.