العنف التربوي تحوّل إلى إرثٍ اجتماعي في سوريا

“نادمٌ على ما فعلته بابني البكر، وأحمّل نفسي كامل المسؤولية عن سلوكه الملتوي،” هكذا اختصر أحمد (اسم مستعار لرجل في الستين من عمره من مدينة قامشلي) رحلته القاسية في تربية ابنه الذي أصبح اليوم في الأربعين.

نشأ الأب على قناعةٍ راسخة بأن “العصا لمن عصى”، واستخدم الضرب المبرح وسيلة لتقويم السلوك، فكانت النتيجة عكسية تماماً، إذ انجرف الابن نحو الكذب والسرقة، وفشل في حياته الدراسية والمهنية، لينتهي المطاف بانقطاع العلاقة بين الأب وابنه لسنوات طويلة.

هذه القصة ليست استثناءً، بل نموذجٌ يعكس واقعاً اجتماعياً ظلّ فيه العنف أحد أسس التربية داخل كثير من الأسر السورية، تربّت أجيالٌ فيه على ثقافة الإجبار والإخضاع، حيث يُنظر إلى العقاب الجسدي بوصفه وسيلة إصلاح، لا اعتداء، غير أن آثار العنف لا تنتهي بانتهاء اللحظة، بل تترسخ في الذاكرة والسلوك، وتظهر على شكل انحرافات أو أمراض نفسية لاحقاً.

تروي إيناس الربيعي، من مدينة الحسكة، حادثةً كانت شاهدة عليها في مستشفى بمدينة قامشلي، حيث رأت طفلةً في العاشرة من عمرها على سرير الإسعاف، وقد غطّت الكدمات جسدها النحيل.
ظنت بداية أنها ضحية حادث سير، لكن الطفلة أجابت بهدوءٍ غريب: “أبي ضربني،” تقول إيناس: “رأيت في عينيها حقداً مخيفاً، هذا أقل ما يمكن أن تشعر به طفلة تُضرب بهذا الشكل، حقاً إنّ الطفل يُنتج ما نزرعه فيه.”

لا يقتصر العنف على الأُسَر، بل يتجاوزها إلى المدارس. براءة محمد، سيدة من مدينة قامشلي، تشير إلى تأثيرٍ مدمّر لتجربةٍ مريرة عايشتها في مرحلة الإعدادية مع مدرّس اللغة الإنكليزية، حيث مارس التمييز والإهمال بحق الطلاب، مكتفياً بالتفاعل مع عدد محدود منهم، وتقول: “رغم أنني تخرجت من الجامعة، ما زلت ضعيفة في الإنكليزية، نتيجةً لتجربتي تلك، إنّ الإهمال شكل من أشكال العنف، وله آثار بعيدة المدى.”

كما تعرّض ابن براءة العام الماضي للضرب من قبل أحد المعلمين، ما دفعها للتدخل شخصياً، تقول براءة: “حلّ المدير المشكلة حينها، لكن مجرد حدوثها يوضح أن العنف لا يزال حاضراً في مدارسنا، حتى الخاصة منها.”

من المدرسة إلى القانون: غياب الردع واستمرار الحلقة المفرغة

“الضرب يُضعف شخصية الطفل، ويزرع الخوف بدلاً من الفهم،” تقول أميرة السعيد التي تعمل في حقل التعليم، وتؤمن بأن أساليب التحفيز والحوار هي الأجدى في التعليم، وتشير إلى أن الكثير من الأطفال يغطّون وجوههم عند اقتراب المعلم منهم، ظناً أنهم سيتعرضون للضرب، ما يدل على شيوع العنف في البيئات الأسرية والتعليمية.

من جهته، يشير الاختصاصي التربوي يوسف أحمد إلى أن العنف في المدارس يأخذ عدة أشكال، منها الجسدي (كالضرب)، واللفظي (كالإهانات)، والنفسي (كالإهمال أو الإذلال)، ويضيف أن عوامل كثيرة مثل اكتظاظ الصفوف، وضعف الخبرة التربوية لدى بعض المعلمين/ات، خاصّة الجدد منهم/نّ، تساهم في انتشار هذه الظاهرة، ومع ذلك، فإن هذه العوامل لا تبرر بأي حال من الأحوال استخدام العنف، بل تكشف عن حاجة ملحة إلى تطوير المهارات التربوية وأساليب التواصل.

كما يرى يوسف أن البيئة التعليمية الآمنة تتطلب قوانين واضحة، وتمكين الأهل من التدخل عند الضرورة، وتعزيز الرقابة الإدارية داخل المدارس، كما يشدد على أن الرد على العنف لا يكون بمثله، بل عبر تراكم الشكاوى، والحوار مع المعلمين/ات، وتفعيل دور الموجهين/ات التربويين/ات.

أما قانونياً، لا تزال الحماية الممنوحة للطفل/ة في سوريا محدودة، حيث يقول المحامي جوان عيسو إن القانون السوري الحالي، وتحديداً قانون العقوبات لعام 1953، يجيز الضرب بوصفه “تأديباً” إذا تم من قبل الأب/الأم أو المدرّس/ة، ضمن ما يُعرف بالعرف العام، أما التعميمات الوزارية التي تمنع الضرب، مثل تعميم عام 1986 وقرار 1988، فهي غير ملزمة ولا تُطبق بفعالية.

في المقابل، وبحسب جوان، أصدرت الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا “قانون الطفل” رقم 7 لعام 2022، الذي يضم 85 مادة تجرّم مختلف أشكال العنف الجسدي والنفسي ضد الأطفال والطفلات، وتُلزم المؤسسات التعليمية بتوفير بيئة آمنة، كما تم تأسيس مكاتب لحماية الطفل عام 2020، تعمل بسرية تامة وتوفر الدعم النفسي وتتابع الشكاوى بالتعاون مع الجهات القضائية.

يخلّف العنف آثاراً تختلف حسب عمر الطفل/ة ونوع العنف، بحسب ما يوضّحه الاستشاري النفسي ملهم حراكي، ويكمل: “بعض الأطفال يعبّرون عن معاناتهم بسلوكيات ظاهرية مثل فرط الحركة والعنف، وآخرون ينسحبون إلى الداخل في صمت، فيظهر الاكتئاب والعزلة والتبول الليلي.”

ويضيف ملهم أن التربية الناجحة لا تقوم على الحب فقط، بل على توازن واضح بين الثواب والعقاب، ويجب أن يكون العقاب مفهوماً ومعلناً للطفل/ة.

ويرى حراكي أن استمرار ثقافة العنف التربوي يعكس إرثاً من الأنظمة القمعية التي تعاملت مع شعوبها بالعنف، فانعكس ذلك على الأسر، ويخلص إلى القول: “نحتاج إلى نشر ثقافة قائمة على الحوار، وتدريب الأهل على مهارات التربية الإيجابية، فطريقة التربية في البيت تُشكّل لاحقاً علاقة المواطن مع الدولة.”

ختاماً، العنف الممارس ضد الأطفال والطفلات داخل البيوت والمدارس لا يُعد مجرد تجاوز عابر، بل هو فعل يُهدد سلامة النشء واستقرار المجتمع على المدى البعيد، فكل تجربة عنيفة تُزرع في وعي الطفل/ة تتحول لاحقاً إلى نمط سلوك، إما بالانطواء أو بالتمرد، وغالباً ما تؤسس لجيل مأزوم نفسياً وغير مؤهل لبناء مستقبل سليم.

إن التصدي لهذه الظاهرة لا يقتصر على إدانة الأفعال الفردية، بل يتطلب مواجهة البنية الثقافية والتشريعية التي تتيح استمرار العنف تحت مسميات التأديب أو التربية،  ولعل الخطوة الأولى تبدأ بالاعتراف بأن الحماية ليست خياراً، بل واجب أخلاقي وقانوني، يستلزم تشريعات واضحة، وتدريباً تربوياً للمعلمين/ات والأهل، ومسؤولية جماعية في بناء بيئة آمنة تُعزز احترام الطفل/ة، لا إذلاله/ها.