“كانت تراودني كوابيس كثيرة، كما أنني كنت أمرّ بحالةٍ نفسية سيئة وصلت إلى أن تراودني أوهام مع شعوري بأن خيالاً ما يطاردني دوماً،” تقول سعاد (اسم مستعار لفتاة عشرينية من مدينة ديريك/المالكية)، مشيرةً إلى أن تلك الحالة دفعتها لمراجعة أحد الشيوخ المتخصصين بـ “فك السحر”، بناءً على إلحاحٍ من المقربين/ات منها.
وتتابع: “قالوا لي إن أحدهم ربما صنع لي حجاباً، وربما من آثاره أنني لم أتزوج حتى الآن، أو أنّ هناك من يحسدني.” لم تكن سعاد تمرّ بضيق نفسي فقط، بل اقتنعت أن تأخّر زواجها يعود إلى سحرٍ وُضع لها عمداً، وهو ما دفعها لطلب المساعدة من أحد السحرة، قبل أن تدرك لاحقاً أن قرارها كان من أكثر الأخطاء التي ارتكبتها، بحسب تعبيرها.
“أعطاني حجاباً بعد أن أخبرني بأن هناك من قام بصنع سحر كي لا أتزوج، لكنه اكتفى برسم ثلاث إشارات على ورقة بيضاء قائلاً إن المشكلة قد حُلّت، لكنني كنت أتساءل: ماذا يمكن أن تفعل ثلاث إشارات في حياتي؟ هنا أدركت أن كل ذلك مجرد كذب، خاصةً أنه أخبرني أنني سأتزوج بعد ثلاثة أشهر، ولم يحدث شيء بعد انقضاء المدة”. تقول سعاد.
الخداع مقابل المال
دفعت سعاد أكثر من 600 ألف ليرة سورية (ما يقارب من 60 دولار أمريكي) مقابل الورقة التي حوت الإشارات الثلاث، ومع ذلك لا تزال ترى الكوابيس نفسها وتشعر بالأوهام ذاتها.
إنّ الكثيرين/ات ممّن يعانون/يعانين من أزماتٍ نفسية أو أسرية أو مالية، يلجؤون إلى السحرة والمشعوذين، أملاً في الحل، لكن مشكلاتهم/نّ غالباً ما تتفاقم، بحسب ما يوضّحه الشيخ معصوم الديرشوي من مدينة ديريك/المالكية.
ويوضّح الشيخ معصوم أن السحر “حرام”، وأن سبب لجوء الناس إلى “الدجالين” و”الكذابين”، هو الحاجة الشديدة أو فقدان الأمل، مما يُفقد الإنسان بصيرته، فيتعلق بأي شيء، كالغريق الذي يتمسك بقشة، إلا أنها لن تنقذه، بحسب الشيخ الذي يضيف أن السّحرة يوهمون الناس بأسباب زائفة لمشاكلهم بهدف استغلالهم/نّ مالياً أو حتى التعدي على كراماتهم/نّ وأعراضهم/نّ.
بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة، فإن المعتقدات والممارسات المرتبطة بالسحر والشعوذة أدّت في العديد من دول العالم إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، منها القتل والتشويه والتعذيب والاتجار بالبشر، وسط غياب واضح للمساءلة القانونية.
ويؤكد التقرير أن آلاف الأشخاص يُتهمون بالسحر سنوياً، وغالباً ما يكون ذلك مصحوباً بعنف شديد، ورغم خطورة الانتهاكات، فإن الاستجابة المؤسسية من قِبل الأنظمة القضائية غالباً ما تكون ضعيفة أو غائبة، ما يكرّس الإفلات من العقاب، كما تؤكّد الأبحاث أن هذه الأرقام في تزايد مستمر، مع تفاقم العنف.
الجهل بخطر السحر مدخلٌ إليه
لم تكن رانيا (اسم مستعار لسيدة من القامشلي في عقدها السادس من العمر) تدرك ما الذي عليها فعله حين وجدت حجاباً في منزلها، وبعد استشارة الأقارب، تلقت نصائح بحرقه أو التخلص منه، لكن فضولها دفعها لمعرفة ما بداخله، فاكتشفت آيات قرآنية مكتوبة بشكل معكوس، وعلمت أنه تم صنعها بغرض أذيتها، على حد وصفها.
“قالوا لي إن هذا الحجاب صُنع لتخريب حياتي الزوجية، ونشر التوتر في منزلي. لجأت إلى أربعة مشعوذين على مدى عامين، بحثاً عن حلّ، ولكن دون جدوى، وصرفت الكثير من المال، وفي النهاية أدركت أن من يريد فعل الخير لا يطلب مالاً”.
وفي هذا الصدد، يشدد الشيخ معصوم على أهمية البحث عن أسباب واقعية ومنطقية للمشكلات النفسية والعائلية، سواءً أكانت في العلاقات الزوجية أو حالات الاكتئاب، مؤكداً أن الحلول الحقيقية تكمن في العلاج الطبي لا عند السحرة.
“بالنسبة للمشعوذين، إن كل مشكلة لها سبب، وعلى هذا الأساس، فإنهم يقدّمون تشخيصات وهمية، وبالتالي حلولًا وهمية، ما يفتح الباب أمام الاستغلال المادي والمعنوي وابتزاز الناس، بل أحياناً انتهاكهم جسدياً.” يقول الشيخ معصوم.
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أعرب في أحد قراراته عن قلقه من أن الممارسات المرتبطة باتهامات السحر تتسبب بأشكال عنف متعددة، منها الحرق والقتل والتعذيب والوصم الاجتماعي، وقد دعا المجلس، الدول، إلى إدانة هذه الأفعال، ومحاسبة المسؤولين/ات عنها، وضمان حماية الضحايا.
أما القاضي عماد الكراف من إدارة النيابات في “مجلس العدالة الاجتماعية لشمال وشرق سوريا”، فيوضح أن السحر والشعوذة يُعاملان في القوانين المعمول بها في الإدارة الذاتية كجريمة احتيال تهدد “الثقة العامة”، بحسب الفقرات (أ، ب، ج) من المادة 206 من قانون العقوبات. “الثقة العامة هي عقد مفترض بين أبناء المجتمع، ويجب ألا يخون أحدهم الآخر، لذلك لا يوجد قانون خاص بالسحر والشعوذة بل تُعتبر جريمة احتيال متى توفرت الشروط.” يقول عماد.
ويضيف عماد أن العقوبة قد تصل إلى السجن من 3 إلى 5 سنوات في حال ثبوت استغلال مادي من قبل الساحر، ولا يمنح القاضي أسباباً مخففة أو إمكانية وقف التنفيذ إلى حين إزالة الضرر، أما في حال استخدام أدوية أو مواد تسببت بأذىً جسدي، فحينها يعاقب المشعوذ/ة بجريمة الإيذاء المقصود أو غير المقصود وفق المادتين 219 و220.
“في المقابل، فإن القانون السوري يتعامل مع السحر كجنحة بسيطة، بعقوبة لا تتجاوز عشرة أيام سجن وغرامة محدودة، إذا ثبت أن هدف المشعوذ مادي.” يقول عماد.
التوعية… سلاح في وجه الشعوذة
أهم ما ينبغي القيام به لمواجهة خطر السحر والشعوذة هو رفع الوعي المجتمعي، واستهداف الأشخاص ممن ضاقت بهم الحياة، بحسب ما توضّحه الاختصاصية النفسية هيفي عبدو، وتكمل: “السحر لا يُقدّم حلولًا، ولا يُزيل الهموم، بل يُعمّق الأزمات النفسية ويؤدي إلى حالات اكتئاب حاد، وقد يتطور الأمر إلى العزلة أو السلوك الإجرامي.”
وتشير هيفي أنه هناك شريحة مجتمعية واسعة تؤمن بمفعول السحر والشعوذة وتلجأ لها، لذا فإنّ الحل يكمن في تعزيز ثقافة الدعم النفسي والعلاج العلمي، لا الوقوع في فخ الخرافات، ويمكن تحقيق ذلك عبر تنفيذ حملات توعوية، إلى جانب الأنشطة المختلفة من جلسات حوار ومحاضرات وغيرها، يتوضّح من خلالها خطورة اللجوء للسحر وما يمكن أن يسببه من آثار سواءً على الفرد أو على المجتمع ككل.
“عادةً ما يكون اللجوء للسحر نتاج أمراض نفسية غير معالَجة، والرغبة في الانتقام أو تحقيق مكاسب شخصية، لكنه ليس حلًا، بل طريقٌ نحو تدمير الذات.” تقول هيفي، ومن جهته، يؤكد الشيخ معصوم: “نعم، هناك سحر وحسد، لكن ليست كل مشاكلنا بسبب ذلك. علينا التداوي بالعلم والإيمان، والابتعاد عن أولئك الذين يتاجرون بهموم الناس.”
رغم أن السحر والشعوذة تُعدّان من الانتهاكات الصريحة لحقوق الإنسان وجرائم يعاقب عليها القانون، لا يزال الكثيرون/ات يلجؤون إليها بسبب غياب الوعي أو فقدان الأمل أو غياب دور فعّال للقانون، لذا يرى الحقوقيون والحقوقيات أن تفعيل التشريعات، إلى جانب تعزيز ثقافة الشكوى والمساءلة، عنصران ضروريان للحدّ من انتشار الظاهرة. أما الوعي المجتمعي، فهو الحصن الحقيقي ضد الشعوذة والدجل.
