في بلدٍ أنهكته الحرب وتداعياتها، يصف الشاب عبدالله جنيد (29 عاماً) من مدينة الرقة يومياته قائلاً: “نعيش في واقع غير مستقر أمنياً، اقتصادنا ينهار، والخدمات الأساسية شبه معدومة، لا كهرباء ولا مياه، ولم يتبقَّ لنا سوى الأوكسجين نتنفسه مجاناً”.
ويضيف عبدالله، الذي يعمل في المجال الإعلامي منذ عام 2017: “في هذه البلاد لا أستطيع كشاب أن أرسم أحلاماً بعيدة المنال، فمعظم الأحلام هنا مستحيلة، والتفكير بها لا يجلب سوى الإحباط، لذلك أحاول أن أركز على ما يمكن أن يتحقق بجهدي وتعبي”.
هذه الحكاية تتجاوز حدود التجربة الفردية، وتعكس ما يعيشه جيل كامل من الشباب السوريين/ات، الذين يجدون أنفسهم/نّ محاصرين/ات بين ظروف معيشية قاسية ومستقبل يكتنفه الغموض، ووفق تقرير لوكالة الأونروا، فإن البلدان التي تعصف بها النزاعات، مثل سوريا، تُظهر بوضوح مدى الحاجة الملحّة لدور فئة الشباب كصناع سلام، في وقتٍ يشكّل فيه الصراع أكبر عقبة أمام إطلاق طاقاتهم الكاملة.
ووفق التقرير أيضاً، ففي سوريا اليوم، يتقاطع العنف المسلح مع الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي، ما يترك جيلاً كاملاً يرزح تحت وطأة الإرهاق وانعدام الأمان، وكثيرون/ات منهم/نّ أُجبروا/ن على النزوح، حُرموا/ن من مواصلة تعليمهم/نّ، أو عجزوا/ن عن إيجاد عمل يمنحهم/نّ فرصة حياة كريمة.
هل بات الطموح فكرة بعيدة عن الشباب السوري؟
يعتقد الناشط المدني ريزان مشو أن الدعم المقدم للشباب/الشابات السوريين/ات لا يرقى إلى مستوى احتياجاتهم/نّ، موضحاً: “ما تم تقديمه لهذه الفئة ليس كافياً ولا جيداً بالقدر المطلوب. الشباب بحاجة إلى فرص حقيقية لإثبات أنفسهم، ومساحات أوسع للعمل والتعبير والنقاش، ليشعروا أنهم بالفعل جزء من عملية التغيير في المجتمع.”
تغيّرت الأحلام وتقلّصت الطموحات مع قسوة الواقع، فبينما يحلم الأطفال عادةً بمستقبل رحبٍ يفتح أمامهم/نّ الخيارات، يجد معظم الشباب/ات السوريين/ات أنفسهم/نّ اليوم محاصرين/ات بظروف سياسية واقتصادية تعيق أية إمكانية لتحقيق ما تمنّوه في صغرهم/نّ، كما هو الحال لدى حمزة من مدينة حسكة، والذي كان يطمح أن يصبح طبيباً جرّاحاً لمساعدة غيره لاسيّما تلك الفئة التي لا تستطيع الحصول على الخدمات الطبية لعدم امتلاكهم/نّ المال.
“لكن هذا الحلم تبدّد بسبب الحرب. أثناء دراستي في مرحلة الشهادة الثانوية، كانت الأوضاع الأمنية متدهورة، وكان عليّ أن أتابع دراستي الجامعية في دمشق أو حلب أو اللاذقية أو حمص، والسفر جواً كان مكلفاً جداً، أما الطرق البرية فقد كانت مليئة بالمخاطر بسبب وجود فصائل غير منظمة على طول الطريق، حيث تكررت حالات الخطف والقتل، وفي النهاية وجدت نفسي مضطراً للبقاء في الحسكة ودراسة اختصاص لم يخطر في بالي يوماً”، يضيف حمزة بحسرة.
تتشابه تجارب الشباب/الشابات السوريين/ات في تبدّد الأحلام وتحوّلها مع قسوة الواقع، فبينما حلمت غادة الأحمد (24 عاماً من مدينة قامشلي) منذ صغرها بدراسة هندسة العمارة وافتتاح مكتبها الخاص، وجدت نفسها مضطرةً لدراسة هندسة الاتصالات، قبل أن تبتعد لاحقاً عن كلا التخصصين، لتتجه نحو طموح جديد يتناسب مع التحولات الرقمية التي يشهدها العالم.
تقول غادة: “في البداية كان حلمي أن أدرس هندسة العمارة، وأن أفتح مكتبي ومشروعي الخاص، لكنني درست هندسة الاتصالات، والآن ابتعدت تماماً عن هذين المجالين، حيث أطمح ببناء هوية رقمية على السوشيال ميديا لمواكبة التطور الحاصل في العالم.”
على الجانب الآخر، عايش عبدالله واقعاً أشد وطأة، إذ لم تكن العراقيل مرتبطة فقط بالخيارات الدراسية أو ضعف الإمكانات الاقتصادية، بل بالصراع نفسه، فقد أجبرته سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مدينته الرقة على ترك مقاعد الدراسة، ويقول: “عندما أتى التنظيم مُنعنا من السفر إلى الجامعات، فتحوّلنا من البحث عن طريق للعلم إلى البحث عن طريق للهجرة. خرجت من مناطق التنظيم إلى تركيا لأنجو بحياتي، ولا ننسى أن الظروف الاقتصادية الصعبة أثقلت كاهل الناس.”
قصتا غادة وعبدالله تعكسان صورة جيل كامل، انتقلت طموحاته من بناء مستقبل مهني واضح المعالم إلى محاولات متكررة للتكيف مع واقع متقلّب، حيث تفرض الحرب والظروف الاقتصادية قيودها على أحلامهم/ن، فتغيّر اتجاهها أو تجبرها على التوقف عند حدود الممكن فقط.
لا تتوقف انعكاسات الحرب والظروف المعيشية القاسية عند حدود تبدّد الأحلام أو تعثر المسارات التعليمية والمهنية للشباب/ات السوريين/ات، بل تمتد لتلامس صحتهم/نّ النفسية ونظرتهم/نّ لأنفسهم/نّ وللآخرين/الأخريات، إذ يوضح المعالج النفسي صلاح سيدو أن التحديات اليومية التي يواجهها الشباب جعلتهم/نّ في حالة صراع داخلي دائم، قائلاً: “تغيّر الأهداف والطموحات نتيجة الظروف الراهنة يؤثر بشكل سلبي على تقييمهم لذواتهم، حيث يُلاحظ انخفاض احترام الذات وازدياد حالات اللامبالاة، ويعيش الكثير منهم في تساؤلات وجودية مستمرة: من نحن؟ ما هي قدراتنا وميولنا؟ ما هي أحلامنا وإلى ماذا كنا نسعى؟ وبين هذه الأسئلة والواقع الصعب تظهر فجوة كبيرة يصعب تجاوزها.”
ويضيف صلاح أن تحقيق الذات لا يمكن فصله عن تلبية الحاجات الأساسية للإنسان: “لكي يحقق الفرد ذاته لا بد من إشباع حاجاته الفيزيولوجية مثل الأكل والشرب، ثم حاجاته للانتماء والأمان، وصولاً إلى تقدير الذات وتحقيقها، لكن في سياق النزاع والتغيرات الكبيرة في سوريا، لم تعد هذه الحاجات الأساسية ملبّاة، سواءً أكانت من الأهل أو من الجهات المعنية، وحين يُحرم الشباب من تلبية هذه الأسس، تصبح أهدافهم غير قابلة للتحقق، ما يتركهم عرضة لمشكلات نفسية متعددة، أبرزها ما يُعرف بعقدة النقص.” يقول صلاح.
الفئة الشابة وتكرار خيبة الأمل
ويؤكد مشو أن الحل لا يكمن فقط في سرد المعاناة، بل في توفير بيئة مناسبة للشباب ليكونوا/ليكنّ جزءاً من التغيير، قائلاً: “يجب أن نشعر بهم ونؤمّن لهم مساحات للنقاش والتعبير، كي يتبادلوا الأفكار ويقدموا حلولاً للمشكلات الاجتماعية، كما يجب دعم أفكارهم وتمكينهم من العمل عليها، وهذا يتطلب التكاتف بين المجتمع المدني والإدارة الذاتية لتوجيه طاقة الشباب نحو البناء، فهم يمتلكون الحماسة والأفكار وسرعة التنفيذ.” على حد وصفه.
ورغم الظروف القاسية، لم يكتفِ كثير من الشباب/الشابات في سوريا بالنظر إلى الأحلام التي تبخّرت مع مرور السنوات، بل حاولوا/ن البحث عن بدائل تُمكّنهم/نّ من التمسك بشغفهم/نّ، حمزة، على سبيل المثال، وجد في التصوير الفوتوغرافي مساحةً للتعبير عن ذاته، فبعد أن خسر حلمه في دراسة الطب، اختار أن يتجه نحو احتراف التصوير ليُظهر معاناة أطفال مدينته ويوصلها إلى العالم، إلى جانب إبراز الوجه الجميل من مدينته وتغيير الصورة النمطية عنها.
لكن هذا الطريق لم يكن سهلاً، يقول حمزة: “لن أستطيع تحقيق هذا الطموح حالياً لعدم قدرتي على توفير المعدات اللازمة بسبب غلاء الأسعار. متوسط الراتب الشهري، إن وُجد عمل، لا يتجاوز 100 دولار، بينما تكاليف الكاميرات والمعدات تصل إلى آلاف الدولارات، وهذه معادلة صعبة في ظل الأوضاع الراهنة، ويضاف إليها الوضع الأمني الحساس، الذي يمنعني أحياناً من ممارسة شغفي خوفاً من الاعتقال أو مصادرة المعدات.”
عوائق متعددة ما تزال تعترض طريق الشباب/الشابات السوريين/ات، حيث يرى عبدالله أن حجم التحديات التي يواجهها أحياناً يفوق قدرته على التحمل، فبعد أن دخل مجال الإعلام في البداية بحثاً عن فرصة عمل، تحوّل هذا المجال مع مرور الوقت إلى شغفه الحقيقي، لكنّه يشير إلى أن التعامل مع غير الأكاديميين/ات في بعض المؤسسات الإعلامية يقلّل من قيمتهم/نّ المهنية، ويصوّرهم/نّ كموظفين/ات عاديين/ات لا كإعلاميين/ات.
“كشاب، لا أرى سوى أنهم يرسلون لي روابط الانتساب إلى القوى العسكرية، أرغب أن أحمل الغيتار وأعزف، لا أن أحمل السلاح، لا أحب السلاح ولا أؤمن به، سواءً أكان مبرراً أو غير مبرر، ليس طبيعياً أن يكون الخيار الوحيد أمام الشباب هنا هو حمل السلاح.”
ويؤكد الناشط المدني ريزان مشو أن الشباب/الشابات يمتلكون طاقة وأفكاراً خلاقة يجب ترجمتها إلى مبادرات مجتمعية ومشاريع حقيقية، محذّراً من أن تعامل بعض منظمات المجتمع المدني معهم/نّ على أنهم/نّ “سلعة” لا كطاقات حقيقية ساهم في تعزيز فقدان الثقة بين الجانبين.
أما غادة، فترى أن انعدام الخدمات الأساسية وعدم الاستقرار الأمني يشكّلان التحدي الأكبر في طريقها، وتقول: “الأيام التي تنقطع فيها الخدمات ينشغل تفكيرنا كله بكيفية تأمين المياه والغاز وغيرهما، أكثر من تفكيري بتحقيق شغفي وطموحي، اليوم، بناء الهوية الرقمية يحتاج أن أكون في وضع مستقر، لكن عندما يتزعزع الأمن لا أستطيع أن أركز على هدفي أكثر.”
لا تتوقف آثار الصعوبات التي يواجهها الشباب/الشابات السوريون/ات عند حدود التعليم أو العمل، بل تمتد إلى صحتهم/نّ النفسية بشكل مباشر، إذ يوضّح المعالج النفسي صلاح سيدو أن تكرار الخيبات والإحباطات يولّد لديهم/نّ مشكلات نفسية متعددة، مثل القلق والاكتئاب والتوتر وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى التفكير بالانتحار أو حتى تنفيذه، ويضيف: “الإحباط المتكرر يدفع الشباب لتغيير أحلامهم وطموحاتهم، وأحياناً للانتماء إلى مجالات أو توجهات لا تعكس ميولهم الحقيقية، وإنما يفرضها عليهم الواقع القاسي.”
ويتابع صلاح موضحاً: “من الطبيعي أن أي بلد يعيش حالة عدم استقرار أو نزاع مستمر بين أطراف مختلفة، سينعكس ذلك سلباً على طموحات أبنائه، وخاصة الشباب. هذه الفئة بطبيعتها حيوية، مليئة بالطاقة، ولديها خطط وأهداف واضحة، إضافةً إلى نماذج تُعتبر قدوة لها. لكن في ظل الفوضى، تتلاشى هذه النماذج وتصبح الأهداف غير مستقرة وغير متوافقة مع ميولهم وقدراتهم، ما يضعهم في حالة دائمة من الارتباك وعدم وضوح المستقبل.”
هل ستخسر سوريا قوة شبابها؟
في السنوات الأخيرة تبدّلت أحلام الشباب/الشابات السوريين/ات على وقع الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتدهورة، وتوضح الداعمة النفسية هيا دسوقي أن “الهجرة أصبحت الهدف الأول لدى غالبية الشباب، باعتبارها المخرج الوحيد من حالة عدم الاستقرار وقلة فرص العمل وعدم القدرة على تأسيس مشاريعهم الخاصة.”
هذا الخيار بات واقعاً مطروحاً أمام كثيرين/ات، فـغادة تعبّر عن عدم قدرتها على الانتظار أكثر لتحسين الوضع السياسي والخدمي، معتبرة أن الهجرة هي السبيل لتحقيق أحلامها، وهو ما يتفق معه عبدالله الذي يرى أن “الفرص خارج سوريا متاحة أكثر للشباب/ات، في ظل واقع داخلي فوضوي وغير آمن،” ويضيف عبدالله: “يجب أن يُنظر إلى الشباب كقوة منتجة، لا كقوة تُستغل لحمل السلاح فقط، لقد أثبت الشباب السوري في دول اللجوء أنهم قوة اقتصادية كبيرة وأنهم قادرون على إنشاء مشاريع ناجحة، ولو تم استثمار قدراتهم في البلاد، لكانت سوريا من أفضل دول العالم.”
أما حمزة، فيرى أن خيار الهجرة أصبح حتمياً، رغم ما يحمله من مخاطر عبر طرق غير شرعية، وما يتخلله من حالات نصب واستغلال، ويضيف: “سوريا ستظل ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، لذا أرى أن مستقبلي لن يكون هنا. سأظل أحلم بتحقيق هدفي، لكن في بلد آخر.”
من جهته، يؤكد المعالج النفسي صلاح سيدو أن الظروف “المزرية” التي يمر بها الشباب دفعت بالكثير منهم/نّ إلى التفكير بالهجرة، حتى لو كان الطريق محفوفاً بالمخاطر، بما فيها “رحلات الموت”،ويرى أن تقدير الشباب والشابات لذواتهم/نّ تغيّر بشكل عميق نتيجة الإحباط المستمر وغياب الأفق.
وتشدد هيا على أن معالجة هذه الأزمة تبدأ من الداخل: “لا بد من إصلاح المجتمع على الصعيد المؤسساتي والسياسي والاقتصادي، وتوفير فرص عمل للشباب، وعندما يتوفر الاستقرار سيشعرون بالأمان النفسي، وينعكس ذلك على أدائهم وطموحاتهم، عندها فقط يمكن أن يتراجع هاجس الهجرة، ويبدأ الشباب بتأسيس مستقبلهم داخل بلدهم.”
هذا الطموح يتماشى مع ما أكّد عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2250 (2015)، الذي اعترف رسمياً للمرة الأولى بالدور الحيوي للشباب في منع النزاعات وحلّها، وفي استدامة جهود السلام وبناء مجتمعات أكثر استقراراً، وقد شدّد القرار على أن إشراك الشباب وقادة المجتمع في عمليات صنع القرار والإصلاح المؤسسي، يفتح المجال أمامهم/نّ للمشاركة الفاعلة في بناء مستقبلهم/نّ، بدلاً من البحث عن ملاذٍ بديل خارجه.
يبقى السؤال الأبرز: هل ستستثمر الجهات المعنية طاقات الشباب ومواهبهم/نّ، أم ستستمر الخيبات والفقدان في قمع أحلامهم/نّ؟ المستقبل يعتمد جزئياً على الإجابة وعلى قدرة المجتمع على إعطائهم/نّ الفرصة ليكونوا/نّ بناة سورية الجديدة.
