شلل دوائر الأحوال المدنية يفاقم الأزمات القانونية والاجتماعية في شمال شرقي سوريا

تعيش نور (اسم مستعار لعشرينية من مدينة قامشلي) حالة من القلق الدائم، إذ ما زال زواجها غير مُسجَّل رسمياً في السجلات الحكومية رغم مرور خمس سنوات على عقده، وهي اليوم حامل بطفلها الثاني، ويعكس وضعها معاناة مئات العائلات في شمال شرقي سوريا مع توقف عمل الدوائر الحكومية في المنطقة.

توضح نور أن جذور مشكلتها تعود إلى طفولتها، فتقول: “تزوج والداي من دون تثبيت رسمي لأن والدتي كانت «أجنبية القيد» ولا تحمل هوية سورية، بينما كان والدي مواطناً سورياً، وبعد صدور قرار توطين الأجانب عام 2011 تقدّم والدي لتثبيت زواجه عبر محامٍ، لكن الإجراءات تعثرت طويلاً.”

ورغم أن زواج والديها ثُبِّت في نهاية المطاف، فإن أخطاءً في الأوراق حرمت نور وشقيقتيها من القيد العائلي، لتبقى حتى اليوم بلا هوية رسمية، وهذا النقص في الأوراق ألقى بظلاله على حياتها الزوجية والمهنية، فتقول: “تزوجت زواجاً شرعياً، لكن لم أتمكن من تسجيل عقد الزواج ولا استخراج دفتر عائلة، لدي طفلة في الرابعة من عمرها وأنا الآن في شهري الرابع من الحمل، ولا أستطيع تسجيل أولادي، حتى عملي كمدرّسة لدى الإدارة الذاتية يزداد تعقيداً، فكل شهر أُطالب بإبراز هويتي الشخصية التي لا أملكها.”

ومع استمرار إغلاق الدوائر الحكومية في مناطق شمال شرقي سوريا، تقول نور إنها فقدت الأمل بحل قريب: “لا أعلم إلى متى ستبقى حياتي معلقة من دون أوراق تثبت وجودي ووجود أطفالي، القضية غائبة تماماً ولا حلول تلوح في الأفق  وإن كانت مؤقتة.”

وكانت مناطق شمال شرقي سوريا الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية، قد شهدت عقب سقوط النظام السوري السابق في يوم الأحد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 توقّف كافة المؤسسات الحكومية التابعة لدمشق عن العمل، الأمر الذي أثّر على حياة الأهالي القاطنين/ات في هذه المناطق، نظراً لتعليق الملفات والمعاملات المتعلقة بالوثائق الرسمية.

إغلاق دوائر الأحوال المدنية يهدد حقوق العائلات ويشلّ سوق العقارات

تواجه مدينة قامشلي بشمال شرقي سوريا أزمة متفاقمة مع استمرار إغلاق دوائر الأحوال المدنية، ما يعرقل توثيق الزيجات وتسجيل المواليد ويؤثر على معاملات البيع والشراء العقارية، الأزمة التي تكشف عن تداعيات اجتماعية وقانونية واقتصادية عميقة.

أميرة السعيد (24 عاماً)، تسرد تجربتها قائلة: “ارتبطت بزوجي بعقد زواج شرعي على يد شيخ وبحضور شهود، ورغم أن الزواج صحيح دينياً واجتماعياً، فإنني لم أتمكن حتى الآن من تثبيته رسمياً في دوائر الأحوال المدنية بسبب إغلاق هذه الدوائر في المنطقة.” وتضيف أميرة أنها غير قادرة على استصدار عقد زواج رسمي أو بيان عائلي أو تحديث بطاقتها الشخصية، ما اضطرها للاعتماد على عقد زواج عرفي لا يُعترف به قانونياً، الأمر الذي يهدد حقوقها على حد قولها.

 وتضيف: “لا أملك أي إثبات رسمي بزواجي أمام الدولة وأخشى فقدان حقوقي كزوجة في حال وقوع أي خلاف، وفي حال رُزقت بأطفال في وقتٍ قريب، لن أتمكن من تسجيلهم في السجلات المدنية، ما يهدد حقهم في التعليم والصحة والأوراق الثبوتية، وغيرها، بالفعل هذه الأزمة استحوذت على تفكيري وأشعر بقلق دائم.”

يواجه أسامة أحمد من مدينة قامشلي، معاناة مشابهة، ففي عام 2022 تمكن من تسجيل ابنته واستصدار بيان ولادة لها، لكنه يوضح: “في عام 2023 لم أستطع تسجيل ابني الثاني بسبب أنني مطلوب للخدمة الإلزامية، كما لم أتمكن من تسجيل طفلي الثالث الذي أكمل عامه الأول أيضاً،” ويضيف: “أواجه حاليًا صعوبة في السفر لأنني لا أستطيع اصطحاب أبنائي لعدم تسجيلهم، لدي مخاوف من عدم قدرتي على تسجيلهم في المدارس الرسمية، وكذلك في حال الحاجة إلى السفر بداعي الطبابة أو العلاج.”

ويشير إلى أنّ آخر معاملة رسمية أجراها كانت في عام 2021 حين سجل زواجه واستخرج دفتر العائلة، واليوم، يجد نفسه عاجزاً عن تسجيل طفليه، تيم، البالغ سنتين ونصف، وورد، البالغ عاماً واحداً، ما يهدد أبسط حقوقهما في المستقبل.

أما شفان أحمد من ساكني مدينة قامشلي، فقد اضطر مؤخراً للتوجه إلى مدينة دير الزور لإصدار جواز السفر لشقيقه المغترب حتى يتمكن من تجديد إقامته الأوروبية، يقول شفان: لقد تأثرنا كثيراً بإغلاق المؤسسات الحكومية أبوابها في مناطق شمال شرقي سوريا، حيث نقف حائرين في كل مرة نحتاج فيها لورقة رسمية أو ما شابه، وقبل فترةٍ وجيزة اضطررت إلى الذهاب لمدينة دير الزور بغرض استخراج جواز سفر، تكبدت عناء السفر والتكاليف الإضافية، إلى جانب الخوف من الناحية الأمنية، نظراً لأنني أزور المدينة للمرة الأولى، وتمكنت من إنهاء الإجراءات المطلوبة. 

“الكثيرون من أهالي المنطقة ممن أعرفهم، يعيشون معاناةً حقيقية بعد توقف المؤسسات والدوائر الحكومية عن العمل، حيث يضطر غالبيتهم للتوجه إلى المدن السورية الأخرى لإنهاء الإجراءات التي تتطلب الحضور الشخصي، فيما يضطرون إلى دفع مبالغ مالية إضافية ليتمكنوا من استخراج أوراق أو ثبوتيات يمكن استخراجها عبر المكاتب أو أي وسيط.” يقول شفان. 

لا تقتصر الأزمة على الحياة الأسرية فحسب، بل امتدت إلى القطاع العقاري. شلال حسن، صاحب مكتب عقاري في مدينة قامشلي، يصف المشهد قائلاً: “هناك ضعف كبير في إقبال الناس على المكاتب العقارية، حيث لا يستطيعون إتمام عمليات البيع والشراء بشكل رسمي، واقتصرت عمليات البيع على الأقارب والمعارف الموثوقين فقط، بينما ثبتت أسعار العقارات وتوقف السوق فعلياً بسبب عدم ضمان حقوق الأهالي.”

ويحذر شلال من أن هذا الوضع فتح الباب أمام عمليات النصب والاحتيال: “يواجه المشترون خطر إنكار البائع لعملية البيع، ما يؤدي إلى مشاكل كبيرة وفقدان إثبات الملكية،” ويشير إلى أن مكتبه لم يشهد أية عملية بيع منذ إغلاق الدوائر الحكومية، معبّراً عن أمله في استئناف عملها قريباً.

 ويقترح حلاً مؤقتاً قائلاً: “حتى الآن لم تقم محاكم الإدارة الذاتية بتوثيق العقود الخاصة بعمليات البيع والشراء وإثبات الملكية، وأرى أن توثيق هذه العقود لدى دوائر الإدارة الذاتية، والذي يتطلب توقيع جهات مثل الأسايش (قوى الأمن الداخلي) والكومين (المجلس المحلي للحي) والاتحاد العقاري والناحية، يمكن أن يضمن الملكية للأفراد ويعيد الحياة لسوق العقارات.”

هذه الشهادات تسلط الضوء على أزمة مركّبة تعصف بمدن شمال شرقي سوريا، حيث يتداخل الأثر الاجتماعي مع القانوني والاقتصادي، ويجد الأهالي أنفسهم/نّ أمام مستقبل غير مضمون في ظل غياب مؤسسات رسمية تضمن حقوقهم/نّ الأساسية.

توقف عمل دوائر الأحوال المدنية يهدد الحقوق القانونية والاجتماعية والاقتصادية

“إن توقف تفعيل المؤسسات الحكومية في شمال شرقي سوريا أثر بشكل كبير على معاملات تسجيل الزواج والولادات ونقل الملكية، وخاصةً العقارات، ما أثر سلباً على الوضع المعيشي للسكان.” يقول الحقوقي خبات محمود، ويضيف: “أكثر المعاملات المطلوبة حاليًا هي نقل الملكية، خاصةً عقود البيع أو بعض القرارات التي بقيت معلّقة في محاكم الحكومة السورية في عهد النظام السابق ولم يتم استكمالها.” 

ويشير خبات إلى أنّ هذا الوضع ما زال يؤثر على قطاع العقارات، حيث توقفت حركة الإيجار والاستئجار والبناء والبيع، الأمر الذي أثّر بشكل مباشر على دخل الأهالي، خاصةً وأن “حركة العقارات كانت مزدهرة في الفترة الأخيرة”، ويؤكد أن إقبال الناس على المعاملات أصبح ضعيفاً، وخاصةً في نقل الملكية، لأن هذه الأمور تتطلب وجود دوائر إدارية فاعلة، إلى جانب المعاملات ذات الصلة من تسجيل ولادات وطلاق وزواج وغيرها.

“عدم تيسير هذه الأمور الإدارية التي تشكل جزءاً من حاجة الإنسان في جميع أنحاء البلاد، يؤثر على مستحقات المواطنين،” يقول خبات موضحاً بمثال يتعلق بتوزيع المحروقات الذي يعتمد على دفتر العائلة والإخراج القيد الرسمي، ويختتم حديثه: “إذا استمرت هذه الحال، فإن نسبة كبيرة من عمال البناء والمحامين ستتأثر طبيعة عملهم وأوضاعهم الاقتصادية بشكل كبير.”

من جهته، يوضّح الحقوقي أيمن سليمان أن غياب الوثائق المدنية ينعكس مباشرة على الحياة الأسرية للأهالي، قائلاً: “غياب الهوية الشخصية يحرم المواطن من إمكانية الزواج أو الطلاق أو إثبات النسب بشكل رسمي، فيبقى الزواج في كثير من الحالات مجرد عقد عرفي غير موثق، وهذا يسبب مشكلات خطيرة تتعلق بإثبات النسب والحقوق الزوجية.”

وأضاف أن الأهالي يضطرون في كثير من الحالات للسفر خارج المحافظة لمراجعة محاكم الدولة من أجل تثبيت الزواج، وهو ما يكلفهم “أعباء مادية كبيرة ويستغرق وقتاً طويلاً”، وأردف: “نسبة كبيرة من الزواجات لم تُثبّت رسمياً في السجلات المدنية التابعة للحكومة، بينما لجأ بعض الأهالي إلى محاكم الإدارة الذاتية، غير أن هذه الأحكام تظل غير معترف بها خارج مناطق الإدارة، ما يخلق ازدواجية قانونية ومشكلات مستقبلية.”

كما أكد أيمن أن ملف العقارات من أكثر القضايا حساسية في ظل غياب التوثيق الرسمي، مشدداً على أن العقود غير الرسمية معرضة للنقض أو الطعن في حال عودة مؤسسات الدولة، وهذا يهدد استقرار الملكيات العقارية بشكل مباشر، مشيراً  إلى أن خطورة هذه المسألة لا تقتصر على الجانب القانوني، بل تمتد إلى المجتمع والاقتصاد: “من الناحية المجتمعية، قد يؤدي ذلك إلى نزاعات بين المالكين الجدد والقدامى، وربما إلى صدامات عشائرية أو محلية، أما اقتصادياً، فغياب الثقة في السوق العقاري سيؤدي إلى توقف عمليات البيع والشراء وانكماش النشاط الاقتصادي.”

وأشار أيمن إلى وجود بعض البدائل المؤقتة لكنها لا ترقى إلى الاعتراف الرسمي، موضحاً أن: “التوثيق الشرعي أو العرفي مثل عقود الزواج عند رجال الدين، أو الشهادات التي تصدرها بعض المجالس والهيئات المحلية، يمكن أن تُستخدم كوسائل إثبات مؤقتة لكنها غير معترف بها خارج نطاقها،” واستشهد بتجربة مشابهة في لبنان: “خلال الحرب الأهلية اللبنانية لجأ الناس إلى وثائق محلية تمت معالجتها لاحقاً عبر قوانين استثنائية، وهو ما يمكن الاستفادة منه كنموذج لمعالجة أوضاع مكتومي/ات القيد في منطقتنا.” 

وحذّر أيمن من أن استمرار الوضع الراهن قد يقود إلى نتائج كارثية: “سنواجه تراكماً هائلاً في الدعاوى وضياعاً للحقوق، كما ستضعف ثقة الناس بالقضاء وسيلجأون إلى الحلول العشائرية أو القوة، والأخطر أن أجيالًا كاملة من الأطفال يولدون دون تسجيل رسمي، ما يحرمهم من حقوقهم في الجنسية والتعليم والصحة.”

واقترح مجموعة من التوصيات لمعالجة هذه الأزمة: “إعادة افتتاح المحاكم الرسمية، إنشاء هيئات بديلة محايدة لتوثيق الولادات والوفيات والزواج، اعتماد تسجيل إلكتروني مركزي يحفظ البيانات من الضياع حتى مع تأخر الاعتراف الرسمي، وسن تشريعات استثنائية لمعالجة أوضاع مكتومي القيد.”