ما بعد التشخيص: غياب الوعي المجتمعي يضاعف تحديات مريض السرطان

“حين اكتشفنا إصابة زوجتي بالمرض، صابني انهيار نفسي في البداية، لكن مع الوقت تمكنتُ من السيطرة على نفسي لنتمكن معاً من تخطي هذه الأزمة،” يقول محمد الذي رغب الحديث تحت اسم مستعار، وهو من بلدة كركي لكي/معبدة، واصفاً اللحظات الأولى بعد تشخيص إصابة زوجته بسرطان الثدي، وهي لا تزال تواصل رحلة العلاج.

لم يكن ما مرّ به الزوجان خلال مراحل العلاج الأولى سهلاً، خصوصاً ما واجهاه من تعامل غير واعٍ من بعض المقرّبين/ات، يضيف محمد: “كثيرون ممن كانوا يتواصلون معنا بغية الاطمئنان ركّزوا على الأسئلة الطبية الخاصة بالمرض أكثر من تقديم الدعم المعنوي، مثل السؤال عن حجم الكتلة، وهل سيتم استئصال الثدي أم لا، أو في أية مرحلة من مراحل المرض؟ والمشكلة أنه حتى مع التنويه إلى عدم تكرار هذه الأسئلة يقومون بإعادتها وكأن باستطاعتهم تقديم الدعم الطبي.”

ورغم غياب إحصائيات حديثة حول المرض، فإنه ووفق تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية لعام 2022، شُخِّصت إصابة 2.3 مليون امرأة بسرطان الثدي، وسُجّلت 670 ألف وفاة بسببه حول العالم، ويحدث المرض في جميع البلدان ويصيب النساء بعد سن البلوغ بمعدلات متزايدة مع التقدم في العمر.

وتكشف التقديرات العالمية عن تفاوت صارخ في عبء سرطان الثدي بحسب مؤشر التنمية البشرية، ففي البلدان ذات المؤشر المرتفع تُشخَّص إصابة امرأة واحدة من كل 12 امرأة طوال حياتهن، وتُسجَّل وفاة امرأة واحدة من كل 71 امرأة بسببه، بينما في البلدان منخفضة المؤشر تُشخَّص إصابة امرأة واحدة من كل 27 امرأة، لكن تموت امرأة واحدة من كل 48 امرأة نتيجة المرض.

التعامل الواعي مع مريض/ة السرطان: لا ضرر ولا شفقة

“هل سيفرح الإنسان عند سؤاله: لماذا بُتر جزء من إصبعك؟ إذاً لمَ لا يفكّر قبل أن يطرح سؤالًا على مريضات السرطان مثل: هل تم استئصال الثدي؟ أو هل فقدتِ شعرك؟ ألا يشعرون بوقع هذه الجمل على النساء المصابات بالسرطان وحالتهن النفسية؟” يتساءل محمد (اسم مستعار) مشيراً إلى الأسئلة غير المريحة التي تُوجَّه لهما من المحيطين/ات بهما، رغم محاولتهما الدائمة لشرح أثرها السلبي.

ويؤكد الطبيب النفسي محمود بدرخان أنه من المهم ألّا ي/تبقى المريض/ة وحيداً/ة لكن من دون إحاطته/ ها بأشخاص سلبيين/ات يكثرون من طرح الأسئلة المربكة التي لا يستطيع المريض/ة إبعادهم/نّ عنها خجلاً، ويوضح أن العزلة الطويلة قد تدفع المصاب/ة إلى أفكار سلبية بشأن حياته/ها، في حين ي/تحتاج إلى بيئة متوازنة تعينه/ها على تقبّل مرضه/ها.

ولبعض الأشخاص تأثير سلبي مقابل آخرين/ات يملكون تأثيراً إيجابياً، كما تشرح آلاء أحمد من مدينة قامشلي، التي تعافت من سرطان الثدي منذ نحو عام، وتستعيد آلاء رحلتها قائلةً إنها مرّت بمراحل ومشاعر متقلبة من الغضب والإنكار وصولاً إلى القبول والعلاج، مضيفة: “ترى المساندة من البعض، المساعدة، الاهتمام والإصرار الزائد، هنا المريض يسأل نفسه لماذا يتعاملون معي بهذه الطريقة؟ هم يعتبرونها مساندة، ولكني أراها شفقة، بينما آخرون لا يعرفون كيف يعبرون عن مشاعرهم، فيكتفون بطرح الأسئلة عن كيفية المساعدة.”

ويشير بدرخان إلى أن التعامل مع مريض/ة السرطان يجب أن يقوم على مبدأ “لا ضرر ولا ضرار”، فلا يكون مبنياً على الشفقة ولا على الإهمال، ويضيف أن مريض/ة السرطان ي/تواجه غالباً، الاكتئاب، القلق، تقلب المزاج، صعوبة النوم، العصبية، والتفكير المفرط، وأن الوصول إلى مرحلة الرضا والتقبل قد يستغرق وقتًاً طويلاً، بينما يفقد بعض المرضى حياتهم/نّ قبل بلوغ تلك المرحلة.

وترى آلاء أن تجاوز المشاعر السلبية يعتمد أيضاً على وعي المريض/ة وقدرته/ها على التعامل مع المرض: “اعتبرته أزمة، إما ستتغلب عليّ أو سأتغلب عليها،”تقول موضحةً أنها وبعد إنهاء العلاج منذ أكثر من سنة تخطّت المحنة “ليس بالقوة، وإنما بالوعي، من خلال تنظيم حياتي، واختيار الأطباء والأشخاص المقربين بعناية.”

تجربة الدعم الأسري ترويها أيضاً هيوا وليكا من مدينة قامشلي، التي رافقت والدتها المصابة بسرطان الكولون خلال رحلة العلاج والتعافي: “والدتي كانت تحب الاهتمام بنفسها ومظهرها، فلم أحرمها من ذلك بعد تلقيها العلاج اللازم، بعد أيام قليلة من عملية الاستئصال أخذتها إلى صالون الحلاقة لتغيير لون شعرها، كخطوة لدعمها نفسياً.”

وتضيف هيوا: “خلال مرحلة المرض حاولنا جميعاً أن نشعرها بالراحة وأن نؤكد لها أن هذه الفترة مؤقتة وأنها قادرة على تجاوزها، كنا نتحدث عن قصص نجاة ونتصرّف بعيداً عن الشفقة أو البكاء أمامها. توفير هذه المساحة المريحة ساعدها كثيراً على الاطمئنان، وهو أمر بالغ الأهمية لمرضى السرطان.”

الدعم النفسي… ركيزة في مواجهة السرطان

“لا بد أن يمر الإنسان بلحظات ضعف عند رؤيته لأشخاص مقرّبين يواجهون معاناة مع مرض السرطان، لكن الأهم ألا نتهرّب من مواجهة الحقيقة، حقيقة إصابتهم بهذا المرض، وأن نتقبل الأمر،” تقول هيوا، مضيفةً: “لذا، كلما كانت والدتي تنام، وكي لا نظهر أمامها ضعفنا، كنا أنا وأخوتي وأخواتي نجتمع في الصالة ونحاول أن ندعم بعضنا لنمتلك الشجاعة والقوة لتخطي هذه المرحلة.”

أما آلاء، فإنّ إصابتها بالمرض كشفت لها ما يعانيه مرضى/مريضات السرطان في محيطها، وتوضح قائلة: “خلال رحلة علاجي، اكتشفت أن المنطقة تعاني من ضعف الوعي بالمرض ونقص المعلومات المتعلقة به، لاحظت أن حتى من يعرفون أهمية إجراء الفحوصات لا يملكون الجرأة على ذلك خوفاً من تأكيد إصابتهم، هناك من يلاحظ وجود كتل لكنه لا يجري الفحوصات اللازمة. لذلك لم أتوقف بعد شفائي، حيث أنشأت مبادرة باسم (هيز) المستقلة لسد فجوة التثقيف الصحي حول هذا المرض.”

وعن الجهود التي تبذلها مبادرة (هيز)، تقول آلا إنّ المبادرة وُجدت بإمكانيات محدودة، لذا فإنها تفتقر لوجود مركز يمكن من خلاله استقبال مرضى ومريضات السرطان، لكنهنّ يقمن بتنفيذ جلسات افتراضية لتقديم الدعم النفسي، ومؤخراً يقمن بزيارة المرضى في مستشفى الأورام في المدينة. 

“المنطقة بحاجة ماسّة لمراكز تقدّم خدمات الدعم النفسي لمرضى السرطان، في ظل الانتشار المتسارع للمرض في المنطقة، ونبذل قصارى جهدنا بالتنسيق مع مستشفى الأورام لنستهدف ليس المريض/ة فقط، بل حتى المرافقين/ات لهم/نّ، ونقوم بالإحاطة بحالة المريض لنحدد كيفية التدخل لمساعدتهم/نّ نفسياً، وأصبحنا كوسيط بينهم/نّ وبين الأطباء والمراكز التي تقدم خدمات مجانية، وخاصةً للنازحين/ات.” تقول آلا. 

يشير محمد، ويؤكد الطبيب النفسي محمود بدرخان، إلى أن تقديم الدعم النفسي لمرضى/مريضات السرطان يحسّن مناعتهم/نّ وقوتهم/نّ في مواجهة المرض، ويضيف بدرخان أن معظم المرضى/المريضات في المنطقة لا يجدون من يقف بجانبهم/نّ، لاسيّما مع عجز الكثيرين/ات عن تحمّل تكاليف العلاج، بينما تتولى هيئات الصحة في الغالب متابعة مراحل العلاج.

وقد حاولت منصّة نيكستوري التواصل مع مديرية الصحة في شمال شرقي سوريا، لمعرفة الخطط والتحديات لبناء مراكز دعم نفسي لمرضى ومريضات سرطان الثدي، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد منهم/نّ.

في ظل قصصٍ تتقاطع فيها المعاناة مع الأمل، يبرز الدعم النفسي والاجتماعي كعاملٍ لا يقل أهمية عن العلاج الطبي في مواجهة السرطان، شهادات محمد وآلاء وهيوا، وما يؤكده الأطباء، تكشف أن الكلمة الطيبة، والمساحة الآمنة، والوعي المجتمعي، قادرة على ترميم ما يتركه المرض من خوفٍ ووحدة، وبينما تُظهر الأرقام العالمية اتساع رقعة الإصابة وتفاوت إمكانات العلاج، تبقى المبادرات الفردية والمجتمعية، من تثقيف صحي إلى رعاية متواصلة، خط الدفاع الأول لتمكين المرضى والمريضات وأسرهم/نّ من العبور إلى برّ التعافي بكرامة وأمل.