على بضع أغطية، تجلس بهية إلى جانب أفراد عائلتها قرب سيارة تحمل ما تبقى من مقتنياتها، بعد وصولهم/نّ إلى مخيم نوروز في ريف مدينة ديريك. تقول بحسرة:
“ماذا عساي أن أقول؟ هذه هي المرة الرابعة التي أُهجّر فيها.”
بدأت رحلة التهجير القسري لبهية قبل سنوات، حين اضطرت إلى مغادرة قريتها نحو مركز مدينة عفرين أثناء عملية «غصن الزيتون» عام 2018، التي أسفرت عن اجتياح الفصائل السورية الموالية لتركيا للمدينة. ثم نزحت إلى منطقة الشهباء، فمدينة حلب، فالطبقة، وصولاً إلى ديريك/المالكية.
تضيف بهية:
“في كل مرة أبدأ بترتيب مسكني، أُجبر على ترك المكان والبدء من الصفر، تاركةً خلفي كل ما أملك. تعبنا كثيراً، لكن ما يؤلم أكثر هو ما يعيشه أطفالنا من واقع قاسٍ.”
خلال الأيام الماضية، شهدت مدن حسكة وقامشلي وديريك موجة نزوح جديدة، عقب العملية العسكرية التي شنتها قوات تابعة للحكومة المؤقتة على مناطق خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور والرقة، ما أجبر آلاف العائلات على الفرار بحثاً عن ملاذ آمن، وكان الغالبية من مهجّري/ات عفرين المقيمين/ات في مخيمات الرقة والطبقة.
ووفق تعريف الأمم المتحدة، يُعد الإخلاء القسري “الإبعاد الدائم أو المؤقت للأفراد أو الأسر أو المجتمعات من منازلهم أو أراضيهم ضد إرادتهم، من دون توفير حماية قانونية مناسبة أو أي شكل آخر من أشكال الحماية”.
وتشير التقارير إلى أن ملايين الأشخاص يُجبرون سنويًا على مغادرة منازلهم/نّ حول العالم، ما يزيد من فقرهم/نّ وعوزهم/نّ، ويفاقم أوضاع الفئات الضعيفة، وينتهك طيفاً واسعاً من حقوق الإنسان.
تختلف المناطق… والملجأ خيمة
يحاول محمد، في عقده السادس، نصب خيمة جديدة، هي الرابعة منذ نزوحه الأول من عفرين عام 2018. يقول:
“لم نرَ في هذه الحياة سوى العذاب. في كل مرة نُجبر على بناء خيمة جديدة، وهذه هي الرابعة، لا نملك خياراً آخر، خصوصاً في ظل الظروف الجوية القاسية. نحن أناس بسطاء وفقراء ولسنا أعداء لأحد، فلماذا يحدث كل هذا معنا؟”.
وحذّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تفاقم الأزمة الإنسانية في شمال شرقي سوريا، معتبرة أن المدنيين/ات يدفعون الثمن الأكبر في ظل شتاء قاس، مع محدودية الوصول إلى المياه والتدفئة والرعاية الصحية، ما يزيد من مخاطر تشتت الأسر.
ليبقى صغارنا بخير
تؤكد بهية أن أصعب ما في التهجير المتكرر هو معاناة أطفالها:
“لم نتمكن من جلب أي شيء معنا، حتى ملابس الأطفال وأحذيتهم التي تقيهم برد الشتاء. نحن الكبار نستطيع التحمل، لكن ماذا عن هؤلاء الصغار؟”
ويعكس زهير حسن، من المخيم ذاته، التعب والحزن بعد تجربة نزوح متكررة مشابهة. يقول: “في كل مرة نتعب ونتعذب، لكننا نفضّل الخروج على البقاء، لما نشاهده من انتهاكات تطال من يختار البقاء.”
“خرجت مع عائلتي، لأنجو بأطفالي، لننجو بأرواحنا،” تخونه الدموع فيتوقف لدقائق، يبكي، يتذكر رحلات التهجير، يعود لتخونه الكلمات في وصف ما مرّوا به، ويكتفي بكلمة بلهجته العفرينية:
“جتنه” (صعب للغاية) ثم يلتفت مع أفراد عائلته لاختيار مكان لنصب خيمة ستكون محطة محطات التهجير والنزوح.
رغم اختلاف الحكايات، يجتمع محمد وبهية وزهير وسواهم على حلم واحد: العودة الآمنة إلى مدنهم/نّ ومنازلهم/نّ.
ودعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى حماية المدنيين/ات، وتيسير الحركة الآمنة والطوعية للنازحين، وضمان العودة الآمنة للراغبين/ات بها، مع حماية من يختار البقاء، وتأمين وصول إنساني عاجل ومن دون عوائق.
